هموم ثقافية

سعدالله ونوس.. نقاتل لكي نبتكر نظامًا جديدًا

هي عشرون سنةً على رحيلك. “موتك لم يزل أشبه بالخيانة”، كما قلتَ في رحيل صديقك وشريكك في الحلم، فواز الساجر (1948- 1988). لكن موتك هو خيانة لنا، نحن -السوريين- الذين خرجنا من خشبة مسرحك إلى الصالة، حاملين معنا الأمل الذي حكمتنا به، والذين علّقنا حلمنا بالحرية على مشانق لم تزل تمتد في طول المسافة بين الضوء والظل، بين خشبة ملح العيون، ومسرح ملح البحر الخائن.

عشرون عامًا، ولم نزل في كل شهيد فينا، نعيد قراءتك كأنّا لم نخرج بعد من “حصين البحر” التي ولدتك لتكون حصنًا لبحر أحلام جيلٍ كاملٍ، ولشواطئ هزائمه وانكساراته. وكأننا معك كبرنا فيها، قرأنا كل ما عبرنا من كتب، كي نعرف أنفسنا أكثر، ومعك حاولنا أن نقدم أول تجربةٍ مسرحيةٍ، حين حاولنا أن نبرهن لأنفسنا أننا قادرون على الحياة على الرغم من كل المجازر.

عشرون عامًا، يا سعدالله ونّوس، واليوم، بعد خمسين عامًا على تاريخ النكبة، تشرب النكبة فينا كأسها كاملًا، وتتركنا معك هناك، عائدًا إلى دمشقك، وقد بدأت في مسرحيتك الملحمية الأشهر “حفلة سمر”، ونحن الآن نجهّز معك تفاصيل “حفلة السمر” لصيف الهزيمة، ونعترف معك بانكسارٍ طاعنٍ في عمقه، ويصل حتى القلب.

نعرف أن مزاجك لم يزل جنائزيًا، كما كان، وأنك لا بد أن تختار مرة ثانية أن نبدأ الحديث عن إسرائيل، ونعرف أننا وكما قلت: “سنموت في يومٍ ما، وفينا العلّة التي اسمها إسرائيل”، وكما أضفت “أعتقد أن جيلنا كلّه سيمضي إلى مثواه الأخير، وفي رأسه ظلال هذه الخفقة السوداء الشبيهة بعلامة، هي بالضبط علامة العمر الذي عاشه، لأن إسرائيل ستكون باقية، حين يذهب جيلنا إلى نهايته”، وأن “هناك أشياء كثيرة كان يمكن أن يتحدث عنها المرء”.

لكن دعنا نخبرك عن الطغاة الذين جاؤوا بإسرائيل إلى قلب دمشق! دعنا نخبرك، يا صاحب صوت الحرية الذي لا يموت، عن جنازات الحناجر في شوارعنا، عن ست سنوات من مليون شهيدٍ رقّصناهم طويلًا كما كنت تحب، قبل أن ندفنهم في اللحن، ونمضي راحلين.

كان الساجر يراهن على الحب، لكنك كنت دائمًا تراهن -في كل حواراتك- على الحرية، وبقينا نحن نحاوركما، ونراهن معكما على الحب والحرية، لكن الموت الذي سرقكما، سرق الحب والحرية، وانقطع الحوار فجأة.

لم نزل نعرف، يا سعدالله ونوس، أنك مذ بدأت تكتب، كان يختلط فيك الشخصي بالعام على الدوام؛ فتصير هزيمة حزيران 1967، هزيمة شخصية لك. وزيارة السادات إلى إسرائيل ذروة محنتك، في تلك الليلة أقدمت على محاولة انتحار جدية، وعندما وقعت حرب الخليج (1990) عددتها الضربة الأخيرة الموجعة. وقلت “أشك معها في أنها كانت السبب المباشر لإصابتي بمرض السرطان، وليس مصادفة أن يبدأ الشعور بالإصابة بالورم أثناء الحرب والقصف الوحشي الأميركي على العراق”.

في تاريخ موتك اليوم، نستعيرك من حضور غيابك الذي لا ينتهي، ونتنقّل من مسرحية “الملك هو الملك” إلى “الفيل يا ملك الزمان”، ونستعير مثلك أبرز شخصيات أبطالك، من القصّ الشعبي والتراث، لإسقاط الحاضر السياسي عليها، ونقول بلسانك “حتى لو تغيّر الملك، فإن الطريقة الوحيدة الممكنة أمام الملك هي الإرهاب والمزيد من الإرهاب، لا يذهب القمع إلّا بتغيرٍ كاملٍ للنظام من جذوره”.

ونحاول أن نفهم معك سر ذلك الأفق المسدود الذي كان يحاصر المسرح العربي، ومشاريعه البديلة. ومعك نكتشف، كيف يمكن أن يكون الكاتب المسرحي جيدًا وفعالًا من دون أن يكون نخبويًا، وكيف يستطيع أن يجدد لغته ومصادره الإبداعيّة وأدواته الجماليّة، وكيف يفرد حيزًا واسعًا لضمير المتكلّم، على حساب ضمير الجماعة، فنعبر معك من “الاغتصاب” (1989)، التي قدّمها جواد الأسدي وأثارت زلازل حولها، فقط لأنك كنت -دائمًا- تطرح أسئلتك بكل صدق، مع ذات إنسانية قلقة، ولأنك فقط تجاوزت القوالب الجاهزة المسموح بها، ثم معك نعبر إلى  مسرحيات “يوم من زماننا” (1993)، “منمنمات تاريخية” (1995)، “ملحمة السراب” (1995)، “بلاد أضيق من الحب” (1996)، الذي ضمنته كتابك “عن الذاكرة والموت”. ونصل معك أخيرًا إلى “الأيام المخمورة”، وأنت تقاتل فيها المرض، وتصبح أكثر عفوية وطلاقة في بناء مسرحياتك الفنّي، وقالبها الدرامي، وأكثر قدرة على بلوغ أقصى درجات الصدق مع الذات، بعيدًا عن جدران الأيديولوجيا العازلة، ثم “شباب آخر، شباب أخير”. التي كانت آخر انتفاضة، كحلاوة الروح قبل الرحيل. ومعك، نتعرف على أنفسنا أكثر ونعرف أكثر، كيف تكون “الكتابة فعل مواجهة الهزائم والموت”.

لقد قلت يومًا، يا سعدالله ونوس: “يراودني الأمل بأننا نقاتل لكي نبتكر نظامًا جديدًا، لا لنحافظ على نظام نعرف جميعًا أنه تداعى وانهار”، وقد راودنا أملك، ومتنا، متنا كثيرًا، أيها المسرحي السوري، أيها الكاتب العربي الذي لو أمهلته الحياة لأضاف لجائزة نوبل للآداب التي رُشّح إليها، بعدًا جديدًا لم تعرفه بعد. لقد متنا كثيرًا، لكننا ونحن اليوم نستعيدك أيها القلِق، المتواري، الحاضر، الغائب، الوحيد، المستوحش، يا حصان الألفة، يا وردة الحنو، يا بروفات كاملةٍ على الحب وعلى الشغف. اليوم، لم نزل نأخذ أملك الذي بشّرتنا بأننا محكومون به، نحن -السوريين- المعلقون من حبل أحلامنا، لم نزل نأخذ أملك على محمل القلب.

مقالات ذات صلة

إغلاق