قضايا المجتمع

السوريون والحب بين الشرق والغرب

هل نحن قادرون على أن نحب ونعيش ذلك الإحساس الجميل وسط أهوال الحرب وبشاعتها؟ كثير من السوريين لجئوا إلى مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن الحب، بعد أن قذفت بهم الأحداث الدامية إلى أرجاء العالم. فهل يستطيع من عاش فظائع الحرب وعانى من ويلاتها جسدياً ومادياً ونفسياً أن يمنح الحب لسواه، وأن يقدر على تلقي الحب من الآخرين بشكل طبيعي، مثله مثل شخص يعيش في بلد آمن لم يشهد العنف والدمار؟

إذا كان الحب ضرورة لسعادة الإنسان في الأحوال العادية، فإنه في زمن الحرب شرط أساس للبقاء والاستمرار، سواء كان بين الرجل والمرأة، أو بين الأصدقاء والأقرباء وضمن الأسرة، أو بين السوريين جميعاً، فوحده الحب يستطيع أن ينمو وسط بشاعة المشهد الدموي، وإمكانية أن نحب في زمن الحرب تعني أننا لا نزال على قيد الحياة، ونرغب في التحدي والعيش.

مع أن الحرب السورية تمخضت عن خراب وموت ونزوح وخسائر لا حصر لها على الصعيد الجسدي والمادي، فإن كل ذلك يمكن ترميمه وعلاجه خلال عدة سنوات، لكن الخسائر على المستوى النفسي لضحايا الحرب تحتاج إلى عقود كي تندمل، وفي كل حالات الخسارة هذه يتقدم الحب بين الضحايا أنفسهم من جهة، وبينهم وبين المتعاطفين معهم من جهة ثانية، ليقود عملية النهوض من جديد وإعادة البناء.

إن مفهوم الحب بأبسط أشكاله: هو أن تُفكّر لغيرك كما تفكر لنفسك. ما يعني أنه اندفاع لمساعدة الآخر دون شروط طائفية أو عنصرية أو مناطقية، بل فقط لأنه إنسان يتألم، ومثل هذا المعنى لمفهوم الحب لا يأتي بالفطرة بل بالاكتساب والتعلم من الأهل والمدرسة والبيئة، فالحب ليس مجرد قصائد شعرية أو كلمات غزل مرصوفة بعناية، ولا هو تملّك من نحب حدَّ الاختناق، الحب الحقيقي يتجلى في التضحية لمن نحب، كما يتظاهر في المواقف الإنسانية اليومية، كأن نهرع لمساعدة عاجز أو نُقدّم الطعام لجائع أو نقف إلى جانب شخص مظلوم، بغض النظر عن هوية من نساعدهم، ومن غير أهداف أنانية مثل كسب الثواب لتحصيل مقابل في الجنة.

هنا حيث أعيش في لندن، أتابع في رواحي وغدوي يومياً عشرات الصور لمواقف إنسانية بسيطة تُعبّر عن ثقافة الحب دونما شروط، لقد تربى الناس هنا منذ طفولتهم المبكرة على مساعدة المحتاج، والتبرع بالوقت والجهد والمال للجمعيات الخيرية، وللمدارس والطلاب الفقراء والمرضى.

إنهم يتعلمون الحب في المدارس والجامعات وأماكن العمل وفي الشوارع، بحيث تَحولَ الحب إلى ثقافة عامة وعادة، هذه الثقافة المجتمعية تُصيِّرُ الإنسان متوازن أو قادراً على اكتساب السعادة من خلال تبادل الحب مع الآخر.

لم نتعلم بعد في مجتمعاتنا العربية مفهوم الحب بهذا المعنى، لذلك تجدنا نُكثر من كلمات الغزل أو المديح المجانية، وعندما نقع في الحب نضعُ القيدَ في يد من أحببناه، ونريد منه أن يتحول إلى بعضِ ملكيتنا بعيداً عن احترام خصوصيته، ودون أن نمنحه ثقتنا، فكيف للإنسان العربي الذي تعرض للعنف في البيت والمدرسة ومن السلطة والمجتمع أن يكون قادراً على أن يحب غيره ويحترمه ويُقدّره، في الوقت الذي لم يتعلم فيه كيف يحب نفسه ويحترمها ويقدرها، ومن ثم يحب الآخرين ويحترمهم.

نعم نحن شعوب تُمثل مشاهد الحب وتبالغ في أداء هذا الدور، لكننا في الواقع لا نعي ماهية الحب بمعناه السامي، ولا نمارسه بشكل حقيقي صادق، نحن نحب تملّك من نحب ضمن شروط شكلية ونوعية مسبقة، وهو حب مُقيّد إلى سلاسل العادات المتخلفة، وليس حراً طليقاً.

الحب الحقيقي هو أن تحب الشخص كما هو، بشكله ولونه وقوته وضعفه، وأياً كانت حاله المادية ومستوى تعليمه وثقافته، وأياً كانت وظيفته ومركزه الاجتماعي والسياسي، نحن لا نقترب من الأقل منا ثقافياً أو مادياً أو اجتماعياً، ولا من المختلفين عنا عقائدياً، وغالباً لا نتمنى الخير لغيرنا، بل تسود بيننا الغيرة والحسد، فثقافتنا في جوهرها قائمة على رفض الأخر لأنه مختلف أو لأنه لا يروق لنا، فكيف نقدر على الحب؟ وأخيراً أرى أن الحب الصادق والحقيقي والمؤثر في نهضة الأمم، لا يمكن أن ننتظره من الفطرة، وإنما لابد من تعلّمه والتدريب عليه في البيت والمدرسة والشارع.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق