هموم ثقافية

لغتنا اليوم.. وجهٌ آخر للاغتراب

حين تنزلق تفاصيل الحرب اللّزجة من الثقوب التي أحدثها الرصاص، في جدران حياتنا ونوافذها المشرعة على أحلامنا، تنفلت لغاتنا الجميلة التي ربّيناها وربّتنا، من أطر تلك النوافذ، وتتسلل هاربة، من عبث وجنون وقسوة ما بتنا نحمل من مفردات، تحمل أفكارًا مشوّهة وشظايا أرواح مهشّمة وحكايا.

في الهزيع الطويل الذي نحلم -حتى اللحظة- أن يكون الأخير من ليلنا الدامي، نلاحق بشغف طفلًا فقد قدميه منذ مجزرة. كلماتنا التي كنا نمارس الحب بأجنحتها، تهرب -اليوم- كفراشات ملّت عتمة بوحنا وبرودة قبلاتنا، فراحت تبحث عن شعب آخر لا يعرف الحرب، أو عن بشر آخرين ما زلوا قادرين على ارتكاب فرح صرف؛ ولو للحظات، بعد أن أصبحنا نحن -السوريين- اليوم عاجزين عن التعبير عن الحب، في زمنٍ لا يمكن لشيء آخر سواه أن ينقذنا. لقد بدأنا نفقد لغتنا؛ مرآتنا، ووجهنا الذي ما لبثنا نقاوم، كيلا يتشوه.

ست سنوات مرّت، عاش فيها السوريون -جميع السوريين بلا استثناء- أشكالًا مختلفة من الاغتراب عن الوطن أو البيوت؛ أو حتى عن تفاصيل الحياة اليومية البسيطة ومفرداتها، والأهم، أنهم جميعًا اغتربوا عن ذواتهم، وأيضًا هنا بلا استثناء.

تختلف أشكال الاغتراب في التفاصيل وحجم المعاناة والألم والفقدان، لكنها تتشابه في حجم التشوّه الذي أصاب لغتنا؛ كلماتنا البسيطة المشبعة بالحب والتمرد، والمجترحة من هموم يومياتنا الصغيرة، بمقياس المعاناة والواسعة الممتدة؛ إذ تقاس بما تحمل من أبعاد إنسانية وثقافية وتاريخية، والتي استبدلناها، من دون أن ندرك، بلغة المغتربين المنفيين؛ المثقلة بمفردات الحرب والكارثة، المغلفة بداء اليأس والتشرذم.

اليوم، يموت المنفي فينا ألف مرة، ثم ينهض ألفًا أخرى، يصمت ألف مرة في اليوم، ثم يصرخ ألفًا أخرى. لكنه، بين كل صمت وصراخ، يضيّع تعبيرًا يشبه الفرح ويكسب آخر، لا يشبه شيئًا إلا الوجع.

اليوم، يقع السوري المنفي في الحب عمدًا، في محاولة لتحدي الموت، لكن ذاكرته لا تسعفه، بما كان قد جمع فيها من كلمات حملت يومًا مشاعره وأحاسيسه كلها، فيصمت. الصمت في الحب مقتل، لكنها الحرب تبتلع اللسان وتتقمص الجمل المكتوبة والنصوص، وفي سطوة الحضور الكثيف للدم المهدور على اتساع الخارطة. يصبح الحبّ ذنبًا ويصبح الغزل خطيئة، ويتحول الشاعر من كنار صادح بالفرح والحياة، إلى بومة حكيمة… لكنها صامتة.

أعرف أن جرارنا تعتق اليوم نبيذ الكلمات، وسنسقي منه العالم بعد حين، كما أعرف أن ست سنوات من الموت المشتعل، في سوريتنا، لن تستطيع محو ذاكرتنا المترفة بالحياة؛ فقد يغطيها الرماد إلى حين، لكننا سنكنسه بأصابع أحلامنا المدمّاة، ونمسحه بمزق أرواحنا الباقية، لكن لغتنا اليوم توجعني وتوجعكم، تغلفني بالحنين لقصص العشق المختبئة في زوايا الحارات، وتحت النوافذ، وبين أكوام القش في الحقول، تلك التي كانت تطلق سيلَا جارفًا من تمتمات النساء حول المدفأة، وتباهي الرجال باتساع قلوبهم واكتناز تاريخهم بوجوه الحسناوات، وبطلاقة ألسنتهم في صوغ الغزل والأشعار والأغنيات.

اليوم، لغة أخرى تتحدث بألسنتنا وتتلبس كلماتنا، لغة لم نكن نعرفها يومًا؛ لغة تحمّلنا وزرها وتحمل الكثير من وزر ما نحن فيه، لغة صنعتها الحرب فينا ونصنع نحن الحرب منها، لغة لا تشبهنا لكننا نراها كلما وقفنا أمام مرايانا، لغة تنكر علينا الفرح وتقصينا عن النسيان؛ فنقصي بها أنفسنا عن أنفسنا أكثر.

طوبى لمن لا يزال قادرًا على ارتشاف لحظة سعادة مسروقة، من هذا الزمن الأسود. طوبى لمن ما يزال قادرًا على رشوة الحياة، بقصيدة حيّة. طوبى للعاشقين في كل مكان، فهم من سيعيد جدل ضفيرة الشمس -يومًا- هدية للحب في بلادي التي طال فيها هذا الليل الثقيل. طوبى للعاشقين القادرين على البوح الجميل، رغم ضيق لغاتنا اليوم عن كلمات الحب.

مقالات ذات صلة

إغلاق