هموم ثقافية

الرواية والشعر

إذا كانت الموسيقا -بصورة أو بأخرى- حاضرةً في معظم الروايات الكبرى التي عرفها تاريخ الرواية الأوروبية، وإذا كان قوام الشعر أساسًا، كالموسيقا، حركة وديمومة وإيقاعًا، ألا يمكن القول إن وراء كل روائي شاعر؟

ما الذي يعنيه ذلك في واقع الإبداع الروائي لدى أبناء الرواية الأوروبيين، كما وصفهم ميشيل سيوران؟ لا بدّ أن كلّ من أتيحت له فرصة قراءة كبرى الروايات الأوروبية، منذ القرن التاسع عشر بلغتها الأصلية، قد لاحظ هذه العناية القصوى في استثمار الروائي إمكانات اللغة وقدراتها من أجل بناء أسلوبه. نعلم أن هذه العناية تفرض نفسها في الشعر الذي لا وجود له من دونها، إلا أن ثمة ما يتجاوز هذه الصلة، أي الترابط الذي نلحظه بين مختلف الفنون الأوروبية في كل حقبة زمنية، وكان سمةً طبعت المبدعات في كلٍّ منها. وبقدر ما يسعنا ملاحظة هذا الترابط في تاريخ الرواية الأوروبية بين الرواية وفن العمارة، أو بين الرواية والموسيقا، فإننا سنلاحظه –أيضًا- بين الرواية والشعر بما أنهما -كلٌّ على طريقته- يجهدان في البحث عن جانب مجهول من الوجود.

ربما كان غوستاف فلوبير، من هذه الناحية، أول روائي استهدف بكتابته أن يتحمل مسؤولية أرفع متطلبات الشعر، كما يقول كونديرا، أي “البحث قبل كل شيء عن الجمال؛ فلكل كلمة أهميتها، ولكل جزء، مهما صغر، موقعه اللائق به”. لذلك كانت سنة 1857 سنة استثنائية؛ فهي التي شهدت نشر رواية “مدام بوفاري”، مسجِّلة بذلك بداية “تاريخ الرواية وقد صارت شعرًا”، وهي التي شهدت، أيضًا، نشر ديوان شارل بودلير الشهير: “أزهار الشر” الذي يمثل “اكتشاف الشعر الغنائي ميدانه الخاص وجوهره” كما يقول كونديرا أيضًا. إذ هنا تتباعد الرواية لا عن الشعر، بل عن الشعر الغنائي في مفهومه العام، أي حين تُحْمَلُ الرواية على “التخلي عن سخريتها الجوهرية، وإهمال العالم الخارجي، وتحويل الرواية إلى اعترافات شخصية، وإرهاقها بالزخارف”. لذلك صار كبارُ الروائيين الذين صاروا شعراء في مبدعاتهم الروائية، “معادين للغنائية بصورة عنيفة: فلوبير، جويس، كافكا، غومبروفيتش. أي الرواية بوصفها شعرًا معاديًا للغنائية”.

سنخطئ لو ذهب بنا الظن إلى أن العلاقة بين الرواية والشعر تتمثل في استخدام الزخرفة الأسلوبية أو في تحقيق جمال الإيقاع، أو في الانسياب الغنائي للجُمَلِ، وهو ما يوحي بوجود ضرب من الموسيقا؛ ذلك أنها تتواجد على صعيد آخر يمسُّ قوام كل منهما: شكل القوْل والمعنى الذي يؤدي إليه بفعل هذا الشكل. ذلك أنه إذا كانت “الأفكار على قارعة الطريق” كما قال الجاحظ، أي مشاعًا بين الناس جميعًا، فإنها لا تصير ملكًا خاصًا إلا من خلال الشكل أو الأسلوب الذي يعبّر عنها بواسطته.

على أن الشكل أو الأسلوب ليس عملًا منجزًا، كما يمكن أن يتبادر إلى الذهن، بفعل الموهبة أو اللاوعي لدى الشاعر أو الروائي. بل هو جهد مسلّح ودؤوب، فهو مسلح بمعرفة لغوية واسعة ذات أطياف متعددة، وبثقافة شعرية أو روائية تراكمت بفعل الدراسة الهادفة لا القراءة العابرة. وهو دؤوب في السهر على تفاصيل بناء مُبْدَعه شأن سهر المعماري على بناء عمارته؛ فأي خلل في جزء منها يمكن أن يطيح بمجموع البناء. ولا أدلَّ على ذلك من تجارب الروائيين أنفسهم، ولا سيّما ممن كتبوا حول هذه العلاقة؛ فحين بدأ الروائي الفرنسي ميشيل بوتور (1926 ـ 2016) كتابة أول رواية له، بعد أن كتب العديد من قصائد الشعر، توقف كليًا وطوال سنوات عن كتابة الشعر؛ لأنه أراد أن يخصّ الكتاب الذي يكتبه بكل ما لديه من قدرة شعرية. ويفسر انتقاله إلى كتابة الرواية، بقوله: “إذا كنتُ قد توجهت إلى الرواية، فلأنني كنت قد واجهت، في هذا التعلم، عددًا من المصاعب والتناقضات، وخلال قراءتي مختلف أعمال كبار الروائيين، كان لدي انطباع أن ثمة ههنا شحنة شعرية مذهلة، وأن الرواية، في أرقى أشكالها، يمكن أن تكون وسيلةً لحل وتجاوز هذه المصاعب، وأنها قادرة على تلقي تراث الشعر القديم”.

كان ميشيل بوتور على وعي برفض العادات الفكرية الفرنسية لما يقول؛ ففي بلاد أخرى، كما يكتب، “تستخدم الكلمة ذاتها غالبًا لتسمية الشاعر والروائي؛ أما في فرنسا، فالتقاليد المدرسية الصارمة إلى أقصى مدى، تقسم الأدب إلى عدد من “الأجناس” المنفصلة تمامًا، يؤلف ضمنها الشعر والرواية الجنسين الأكثر تعارضًا في هذا المجال”. لكن ذلك لم يقف حجر عثرة في تقصي النقد الأدبي لهذه العلاقة بين الجنسيْن الأدبييْن؛ ففي كتابٍ حديث لفلورنس أوليفييه، حمل عنوان “تحت الرواية الشعر” وخصصته لدراسة المُبدع الروائي للشاعر والروائي التشيلي روبيرتو بولانيو (1953 ـ 2003)، وخصوصًا روايتيه المهمتيْن: “المباحث الوحشية” و”2666“، وهما الروايتان اللتان صنعتا شهرة الكاتب، بيّنتْ فيه كيف يستعير مبدع بولانيو التخييلي دروبَ الشعر السرية أو المجهولة، “بما أن الشعر وحده هو من يتحمّل غياب الجواب، ومخاطر وجمال السرّ”. هنا أيضًا، نجد أنفسنا أمام روائي يعكس عمله هذا الوعي العميق بهذا الضرب من الانصهار بين الشعر والرواية.  يقول بالانيو في أحد أحاديثه: “أعتقد أن أفضل الشعر في هذا العصر هو ما كُتب نثرًا. هناك صفحات في رواية “عوليس” لجيمس جويس (1882 ـ 1941) أو مارسيل بروست (1871 ـ 1922) أو ويليام فوكنر (1897 ـ 1962) شدت حبل قوسها كما لم يفعل الشعر طوال كل هذا العصر، وننتبه فيها حقًا إلى أن الكاتب قد سلك دربًا لم يسلكه أحدٌ من قبله”؛ كما لو كان هذا الشاعر الروائي يمثل في مُبدعه الروائي بخاصة، بعد مئة وستين عامًا، صدى السنة الاستثنائية التي شهدت ميلاد “أزهار الشر” باكتشاف الشعر الغنائي ميدانه الخاص وجوهره، وميلاد “مدام بوفاري” رواية الجمال الأدبي الأقصى، حين قال: “كشاعر، ليس لدي أي شيء يمتّ بصلة إلى الغنائية. فأنا نثري ويوميّ كليًا”. لكنه أيضًا يشترك مع ميشيل بوتور في هذه الرؤية؛ إذ إن ضمير المتكلم في رواياته، كما تقول فلورنس أوليفييه: “يتلقى التعاليم، ويكتب، ويعلق، ويجعل من نفسه ناقلًا في هذا التعليم المشترك الخاص بالحياة الشعرية، لأن الحياة والقراءة والكتابة أمرٌ واحد”.

الجمال لا الزخرفة، والبحث عن الجوانب المجهولة في الوجود حتى في سرد أبسط الحوادث اليومية، لا مجرد رواية سيرة ذاتية، ولغة روائية لا لغة تقارير مكتبية وتقريبية. تلك هي بعض العناصر الأساس التي تجعل من الرواية شعرًا، أو التي تؤسس قوام شعرية الرواية.

هنا، يمكن البدء في الانتقال إلى الرواية العربية، وهي تجذر هذا الجنس في الأدب العربي المعاصر.

مقالات ذات صلة

إغلاق