تحقيقات وتقارير سياسية

أستانا 4 …وضوح النوايا والأهداف

على الرغم من تكرار لقاء أستانا الذي عُقد أربع مرات إلا أنه في جوهره يحيل إلى مشروع متكامل، سعت روسيا منذ أواخر أيلول/ سبتمبر 2015 إلى هندسته، ولعلّ الفصل الأخير من هذا المشروع، وأعني به لقاء (أستانا 4) في 4 أيار/ مايو 2017، كان الأوضح من حيث المخرجات والنيّات والأهداف، ذلك أن مشروع “مناطق منخفضة التصعيد” أو “مناطق تُخفف فيها حدّة التوتر” إنما يّعدّ مشروعًا داعمًا ومكمّلًا للنهج الذي يعتمده نظام الأسد حيال مواجهته قوى الثورة في سورية، ويقوم على استئصال بؤر المقاومة من خلال الحصار المحكم للمدن والبلدات والقرى الآهلة بالسكان، ثم اللجوء إلى عقد هدن محلية، يُوضَع بموجبها المواطنون أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الموت جوعًا تحت وابل القذائف ووسائل الدمار، وإما النزوح إلى مناطق أخرى.

وفي الوقت الذي تسعى فيه قوى المعارضة السورية إلى التمسك بالقرارات الدولية ذات الصلة بالقضية السورية، وتأمل أن تكون لقاءات جنيف التي تجري تحت رعاية أممية هي التي ستفضي إلى حل سياسي، فإن نظام الأسد، مدعومًا من روسيا، بدأ يعمل بطريقة ممنهجة منذ عام 2013 على استئصال المقاومة المسلّحة والتي تتضمن- حكمًا- تهجيرًا قسريًا للسكان واقتلاعهم من جذورهم ورميهم في مناطق أخرى، ربما تكون محرقة موعودة.

لقد بدأت العملية من مدينة القصير في 2013 بعد ترحيل أهلها، واغتصاب ميليشيا (لواء الرضا) الشيعية لتلك البلدة، ثم لحمص القديمة في 2014، ثم “داريا” في آب/ أغسطس 2016 بعد أربع سنوات من الحصار، ثم معضمية الشام في 9 تشرين الأول/ أكتوبر 2016، وفي نهاية عام 2016 رُحّل نصف سكان مدينة حلب (حلب الشرقية)، وفي 4 نيسان/ أبريل 2017 تمت عملية إجلاء سكان المدن الأربع (كفريا – الفوعة – الزبداني – مضايا)، وفي 8 أيار/ مايو 2017 هُجّر أهالي حي (برزة) الدمشقي.

لعلّه من غير المفيد الاكتفاء بعمليات الإدانة والتنديد بما يمارسه نظام دمشق وحلفاؤه الروس من ممارسات إجرامية بحق السوريين، طالما أن هذه الممارسات هي –كما تبدو الآن– ماضية في طريقها نحو “الشرعنة”، ومن غير المُستبعد أن يُعمَل على تأطيرها قانونيًا أمام أنظار العالم أجمع.

في مقابلة مع وكالة (فينيكس) الصينية في 16 آذار/ مارس 2017  أفصح بشار الأسد أنه لا يعوّل على مرجعيات جنيف مطلقًا، وأن البديل هو (الهُدن المحلية) التي تبرمها قواته مع السكان والمقاتلين المُحاصرين، وبعد انتهاء لقاء (أستانا 4) وظهور مخرَجاته التي لم تكن إلّا تكريسًا لنهج التهجير والترحيل القسري والاستئصال الفعلي للمقاومة، بادر وزير خارجية نظام الأسد وليد المعلم، في مؤتمر صحفي يوم 8 أيار/ مايو 2017، إلى عدّ مفهوم “تخفيف حدّة التوتر أو التصعيد” في بعض مناطق النزاع بديلًا عن مفاوضات جنيف، وأكد رفض النظام المطلق لوجود أي قوة عسكرية دولية رقابية، مشيرًا بذلك، بوضوح، إلى رفض النظام المسبق لفكرة إقامة مناطق آمنة، وفي خطوة موازية -في اليوم ذاته- تقدّمت روسيا من خلال فريقها العامل في الأمم المتحدة بمشروع إلى مجلس الأمن؛ بهدف موافقة المجلس على مخرَجات (أستانا 4) موازاةً في الوقت ذاته مع زيارة سيقوم بها وزير خارجية روسيا (سيرغي لافروف) إلى الولايات المتحدة الأميركية، في 9 أيار/ مايو 2017، يحاول من خلالها إقناع الجانب الأميركي بما تؤسس له روسيا حيال القضية السورية، كما يحاول أيضًا أن يعزز القناعة لدى الأميركان بأن ما اتُّفق عليه في أستانا، بموافقة تركية وإيران وروسية، يمكن أن يكون بديلًا عن فكرة المناطق الآمنة التي طرحتها إدارة ترامب.

وعلى الرغم من البوادر التي توحي بوجود تحفّظات أميركية وأوروبية على المشروع الروسي، وكذلك على الرغم من استمرار الزخم الإعلامي الأوروبي والأميركي في إدانة نظام الأسد وعدّ ممارساته ضربًا من الإجرام الذي يوجب المساءلة، إلّا أن جميع هذه التحفظات وتلك الإدانات الإعلامية ستكون نتائجها رهينة التفاهم (الروسي-الأميركي). وما تبديه المعطيات أن كلتا الإدارتين (الروسية والأميركية) غير راغبة في تدشين مرحلة صدامية بين بلديهما، فعلى الرغم من اللغة الصارخة للقيادة الأميركية الجديدة حيال نظام الأسد، وكذلك على الرغم من الحزم الذي أبداه تيلرسون في مواقف الإدارة الأميركية حيال نظام الأسد في أثناء زيارته الأخيرة إلى موسكو، في 11 نيسان/ أبريل 2017، إلّا أن الثابت أيضًا أن مسائل الخلاف بين الطرفين لا تنحصر حيال سورية فحسب، بل ثمة مسائل أخرى (أوكرانيا – كوريا – الدرع الصاروخية) يُخشى أن يكون تقارُب الطرفين حولها على حساب القضية السورية.

وحيال ما سبق استعراضه، يبقى السؤال الأهم بالنسبة إلى السوريين: ماذا لو استطاع الروس إقناع الإدارة الأميركية بمشروع مخرجات أستانا 4 مع تعديلات طفيفة لا تغيّر من جوهر الأمر شيئًا؟ وما هو موقف السوريين إن نجح الروس في إثبات وتكريس مشروع أستانا كبديل عن القرارات الصادرة عن المرجعيات الدولية ذات الصلة بالقضية السورية؟ وهل بمقدور الكيانات الرسمية للمعارضة السورية (الائتلاف – الهيئة العليا للمفاوضات) ممارسة الضغوط اللازمة، سياسيًا ودبلوماسيًا، لإنقاذ القضية السورية من الانقراض أو التشظي والحفاظ على عدالتها ونصاعتها؟

ما تقدم ليس انحيازًا إلى استغلاق الأفق، وكذلك ليس استمراءً للتشاؤم، ولكنه محاولة لاستبصار واستشراف ما يجري وما يمكن أن يحدث. ويبدو أننا – السوريين – نواجه خيارين اثنين:

1 – استمرار الرهان على صراع المصالح الدولية والإقليمية على الأرض السورية، من دون أي أثر أو دور فاعل لأصحاب الأرض؛ وبهذا لن يكون حالنا أفضل من حال أي مقامر، ولكن أي مقامرة؟ على وطن وثورة عظيمة، قلّ نظيرها في التاريخ الحديث.

2 – الإيمان المطلق بشرعية وعدالة القضية السورية يوجب الإيمان أيضًا بضرورة إعادة صياغة الثورة، سياسيًا وعسكريًا، وإعادة التصاقها بمعينها الحقيقي وهو الشعب الذي فجّر شرارتها، والعمل على بناء استراتيجيات مقاومة جديدة ربما لا تكون بعيدة عن حرب التحرير الشعبية، علمًا أن من يرون أنفسهم أصحاب قرار، من مدنيين وعسكريين، لا يروق لهم أمرٌ كهذا، ربما لوعورة التفكير به، أو لأن اللجوء إليه يترجم فشلهم طوال ست سنوات، ولكن الثابت أيضًا، أنّ الثورات العادلة للشعوب لا تستثني عدوًّا من المقاومة سواء أكان داخليًا أم خارجيًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق