تحقيقات وتقارير سياسية

سورية وإمكانية الاختراق النوعي

اقتصرت المؤتمرات الدولية حول سورية بعد جنيف 1 حزيران/ يونيو 2012, بمسبباتها على ظروف مرحلية من أجل حصد مكاسب سياسية بعد تحسن ظروف ميدانية، أو لإضفاء شرعية وإثبات وجود لأطراف مُخرِّبة وجعلها ضامنة، أو تقطيع للوقت بانتظار تبلور استراتيجيات وإجراء مراجعات للأطراف المتدخلة في النزاع.

أخر هذه المؤتمرات، كان أستانا 4، الذي اكتسب أهمية خاصة من ناحية رفع المستوى التمثيلي للولايات المتحدة، وإيفاد مستشار وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى بدلًا عن سفير أميركا في كازاخستان، بعد اتصال هاتفي بين ترامب وبوتين، كما أنه أول مؤتمر حول سورية بعد الضربة الأميركية على مطار الشعيرات، أضحت تحركات الدول المتدخلة في سورية روتينية ومستهلكة (روسيا وإيران واستمرارهما بتوفير الغطاء العسكري والسياسي للنظام ووهم السيطرة العسكرية، تركيا والتحرش بقوات سورية الديمقراطية بعدما أعلنت إنهاء درع الفرات، أميركا واستعراض القوة الذي كان أخرها في القامشلي بما لا يبعد عن قوات النظام والروس 2 كم، إسرائيل واستهدافها حزب الله متى توفرت الظروف).

لقد أضحى الملف السوري اليوم أمام عنوانين عريضين، إما خطوات جدية باتجاه وقف للنار يهيئ المناخ لإنجاز حل سياسي يمس بالضرورة بنية النظام السوري، أو مزيد من التصعيد مترافق “بتغيير نوعي” في قواعد الاشتباك، بحيث يتابع كل طرف خريطة تحالفاته ورسم مساره العام ليخرج طرف واحد منتصر يستطيع أن يفرض الحل.

المحدد الأهم لاتجاه هذه الانعطافة هو الموقف الروسي، وقبوله بواقع تغير الخطط الأميركية في سورية أولًا، ومرونة أميركية واعتماد لمبدأ الندّية السياسية وتقاسم النفوذ والملفات مع الكرملين ثانيًا.

العنوان الأول إذ يتطلب توافقًا روسيًا أميركيًا، وما يحمله ذلك من تحديات، حاول إنجازه وزير الخارجية الأميركي ركس تيلرسون بزيارته إلى روسيا يومي 11 و12 نيسان/ أبريل الماضي بعد قمة دول (G7)، وما رشح من اللقاء عن عرض أميركي بالتخلي عن الأسد واحترام مصالح روسيا في سورية، وأبعد من ذلك، إعطاء الحق لموسكو باقتراح أسماء بديلة تضعها، ويتعامل معها الغرب ويمنحها الشرعية.

رفض الروس العرض، وصرّح المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أن “لا صفقة في سورية وحدها ولا اتفاق جزئي، إما شريك كامل وإما أن ننتظر”. هذا الرفض الروسي، على الرغم من بند تخفيف العقوبات الغربية على روسيا، هو المُعبّر الأفضل عن استراتيجية موسكو “كل شيء او لا شيء” وعدم فصل الملفات، التي عقّدتها موسكو أساسًا، لتنافس الغرب وتعتمد كدولة عظمى شريكة.

يبدو أن أميركا ترامب لا تتقبل هذا المنطق، كما لم تقبله الإدارة السابقة. فعندما يتعلق الأمر بالمصالح القومية للدول الكبرى تعتمد الدول التخطيط الاستراتيجي الشامل، الذي يتسم بعمق التقييم وسعة الجغرافيا وطول المدى الزمني، وأميركا “بصقورها الاستراتيجيين” ليست في غفلة عن نزوع بوتين الأوراسي.

ليس ما سبق هو التحدي الوحيد، فثمة عامل مهم آخر هو العلاقات الروسية – الايرانية، التي تقارب علاقات تحالف استراتيجي، بسبب النزعة البوتينية السابقة، وهذه العلاقة قد تحدّ من إمكانية التقارب مع الولايات المتحدة، بعد أن وضُعت إيران في سلم الأولويات الأميركية، كما يُشكّل فشل روسيا في تبديد المخاوف الإسرائيلية بضبط الحليف الإيراني عاملًا إضافيًا آخر.

هذه العوامل والتحديات في وجه التقارب الأميركي – الروسي، من شأنها أن تجعل العنوان الأول بعيد المنال، وإن حصل وأبصر النور هكذا توافق، لن يكون سوى توافق مرحلي بغية التفرغ لساحات مواجهة أخرى بينهما، ويرجح سير الأمور إلى مزيد من التوتر غير التقليدي هذه المرة، حيث لم تستنفذ الدول المتدخلة بعد كل ما في جعبتها.

لا جديد في أستانا 4، إذ اختتم باتفاقية مناطق تخفيف التصعيد الأربعة، سوى أنها حلقة جديدة من المراوغة الروسية، تهدف إلى تمييع وتشويه المطلب الأميركي بإقامة مناطق آمنة في سورية وملامسة هواجسها، علّها تخفف من شهيتها بالانخراط أكثر في الملف السوري، خاصة بعدما صرح رئيس الوفد الروسي إلى أستانا ألكسندر لافرينتيف أنه في حال تحقيق هدنة مستقرة، يمكن الحديث عن إخراج القوات الخاضعة لإيران من البلاد. كما تقطع الطريق، بحسب الفهم الروسي، على أي تفاهم قبيل قمة ترامب – أردوغان بإقامة مناطق آمنة ذات شرعية دولية.

على كل الأحوال، اكتفت أميركا بدور المراقب إسميًا وفعليًا، فلم تُبارك الحدث، بل حذرت من أن إيران، لا يمكن أن تكون دولة ضامنة، وهي سبب في إطالة معاناة الشعب السوري. واجتماع الموفد الأميركي المُطوّل مع وفد المعارضة، إنما كان يدور في العموميات.

يذهب البعض إلى أن اتفاق مناطق تخفيف التصعيد، إن قُيّض له أن يُطبّق، إنما يُشكّل مدخلًا لتقاسم النفوذ في سورية، ويُعتبر مقدمة لتقسيم حقيقي وإعادة رسم الحدود، كان هذا المنطق صاخبا أيام سيطرة (داعش) على أراضي واسعة وسقوط الحدود السيادية للدول في سورية والعراق ولبنان، وانتشار الميلشيات العابرة للحدود، لكن عند هذا المنعطف، وفي طور انحسار داعش، لا يبدو تقاسم النفوذ بهذه الطريقة التي تُشرعن الوجود الايراني وتمنحه ميزات التواصل الجغرافي بين سورية والعراق ولبنان واردًا، وأن يصبح “ثابتًا مستقبليًا” بما يحمله ذلك من تعارض تام مع الأجندات الأميركية في سورية، ومخاطر التشظي على الإقليم ودخوله بعدم استقرار خطر، لن يكون في مصلحة أحد.

وبكلمة: لا يمكن خداع واشنطن بهذه السذاجة، وإن كان ولابد من اختراق سياسي تعترف به واشنطن، سيكون ولادته من جنيف لا أستانا، ولو كانت موسكو جادة بالبحث عن حل سياسي لقبلت العرض الأميركي.

على ما يبدو، موسكو في سورية أمام خيارات أحلاها مر، إن بقيت هي حامية للدور الإيراني يجعلها عرضة لزيادة العقوبات الاقتصادية عليها وقد تتهم، كحليفتها، دولة راعية للإرهاب، وإن رضيت بالدخول مع واشنطن وحلفاؤها لإنجاز حل سياسي ومحاربة الإرهاب، سيضر ذلك بصورتها التي عملت على رسمها لسنوات، كقوة عالمية، وتعود إلى مكانها الطبيعي في سلّم العلاقات الدولية.

لا يندرج ما حدث بأستانا، بأي شكل تحت عنوان البحث عن حل سياسي جدي، يُنهي المقتلة السورية، ويؤهب لاستقرار مستدام، فمُقبل الأيام سيحمل المزيد، بعدما أدركت الدول المؤثرة أنها أستنفدت أدواتها التقليدية المحركة والمغذية، وبات أي تحرك في الاتجاه غير المناسب، لأيًا كان، سينزلق معه الجميع إلى الهاوية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق