أدب وفنون

التشكيلي العراقي صدّام الجميلي وسؤال الأصالة في الفن العربي المعاصر

في كتابه «خاصرة الصورة: سؤال الأصالة في الفن العربي المعاصر»، الصادر مؤخرًا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر (بيروت – عمّان)، يبحث الناقد والفنان التشكيلي العراقي صدّام الجميلي، في تفاصيل القضية الشائكة والمهمة في الفن التشكيلي العربي، ومفهوم الصورة، ألا وهي قضية الأصالة التي لم يتطرق إليها كتابٌ متخصصٌ، يدرُسُ إشكاليات تلك القضية، ويحلل أبعادها وملابساتها، فضلًا عن شحة البحوث النظرية العربية في الفن البصري –بعامة- والتشكيل -بخاصة- وهو ما يجعل الكتاب الذي خصصنا له هذا الحوار سبقًا مهمًا لإثراء المكتبة العربية والدراسات البصرية بشكل عام.

 

يبين صدّام الجميلي في بداية حواره مع جيرون، أنّ ثمَّة مشاكل كبيرة يعاني الفن العربي بسببها، في مقدمتها الدراسات النظرية؛ إذ لم يتوجه الباحثون لدراسة الفنون بشكل حقيقي ومباشر، يقول ضيفنا: “نحن بعيدون عن النَّقد الفني والنظريات الاجتماعية للفنون والدراسات التاريخية المعمقة، وهنا لا أقصد ما يرد كثيرًا من أرشفة للنتاج الفني، فدراسة الفنون التاريخية مرتبطة بكثير من التخصصات والمجالات الأخرى، كعلم الجمال والسياسة والجغرافية”. ويضيف: “ما حاولت أن أساهم به من خلال هذا الكتاب هو الإشارة إلى آليات كتابة مختلفة في الفن التشكيلي، من خلال النَّقد الثقافي لظاهرة مهمة لازمت النَّقد العربي؛ إذ ظل الفن العربي يعاني من لغط الاتهام والتبرئة، لجهة اتصاله بالفن العالمي، بوصفه (صورة مكررة) للفن الأوروبي، وقد حاولت أن أدرس هذا المفهوم دراسة مكثفة، فضلًا عن مقارنة المفاهيم مع نظريات الفن الأوروبي”.

يتابع مُحاورنا قائلًا: “إنّ أهم ما تطرق إليه الكتاب هو محاولة نقد النَّقد والبحث، وطرح أسئلة من شأنها إعادة التفكير بالنَّقد العربي الذي ما يزال خجولًا ومتردًدا لأسباب عدّة، وذلك لاعتماد هذا النوع من المعرفة على أفراد، إذ لا توجد لدينا تخصصات أكاديمية لتدريس نظريات الفن، كما يحدث في الجامعات العالمية”.

ويؤكد التشكيلي العراقي أنّ “إشكالية أصالة الفن العربي كانت -وما تزال- سببًا للكتابة بعيدًا عن أي هدف، إذا لم تحلل هذه الفكرة تحليلًا علميًا، وفق بحث معرفي رصين، لتوضيح الملابسات التي تدور حول الفن العربي بهذا الخصوص. وسؤال الأصالة واحد من مئات الإشكاليات التي يعاني منها الفن العربي وتحتاج إلى دراسة. والنَّقد العشوائي والمنفلت يمكنه أن يعيد الفن العربي إلى منطقة ضبابية مربكة، وهو ما يحصل الآن، كون الأفكار التي ترافق النَّقد هي أفكار فردية تعتمد على ذائقة الناقد ورغبته بالكتابة، فضلًا عن الشعور السلبي للفنان أمام الناقد؛ ما جعل الفن يتلكأ في طريقه ومقاصده، بل ربما يحيد عنها ليتيه في تصورات غير دقيقة”.

وبسؤاله عن أبرز الخلاصات التي توصل إليها في دراسته هذه، يقول: “من المؤكد أن الخلاصات في دراسة طويلة عن مفهوم واحد، تكشف لنا نتائج دقيقة فضلًا عن إفرازها لخلاصات جانبية مهمة، يمكنها أن تشير إلى معاني وأفكار غائبة.

إن الخلاصة الأهم تتعلق بموضوع البحث، وهو ما لا أريد ابتساره بكلمات قليلة، فضلًا عن أهم الخلاصات التي تتعلق بقدرة الكتاب النَّقدي العربي، أن يقدم وجهات نظر معرفية عن أفكار مهمة، والعودة إلى قلب تربة المفاهيم والبحث عن الجذور القديمة، لنبتة تبدو بمنزلة معرفة محسومة وإعادة تقليمها واستنباتها من جديد. إضافة إلى الوضوح والدقة في توصيف النَّقد التشكيلي العربي في أهم مفاصل ضعفه، وقد أثبت عبر التاريخ مجانية أغلبه، وارتباطه بالصحافة والسوق، فضلًا عن الخلاصة التي تحققت ببناء الكتاب عبر آلية مختلفة، في إمكانية الكتابة النَّقدية بلغة سلسة، بعيدًا عن التثاقف الأجوف، والحديث عن الأفكار والمفاهيم ببساطة تسمح لكل قارئ فهم ما جاء بها بسهولة، وذهبت الدراسة لفحص فنون أخرى نكشف من خلالها أصالة الفن العربي من عدمها؛ فتزود الكتاب بدراسات حول فنانين صينيين وإيرانيين وأوروبيين وعرب”.

  • قراءة الفن العالمي ومقارباته

يُسهب صدّام الجميلي، في كتابه النَّقدي الثاني الذي كتب مقدمته الناقد الفلسطيني الدكتور فيصل درّاج، في تحليل العلاقة بين الفن والأيديولوجيا، من دون أن يعطي موقفًا أخيرًا؛ لأن في كلامه ما يوحي بتصالح حميد بين الفن والموروث في حالات معينة، وهو أمر يطرح أسئلة كثيرة. أسئلة من داخل الفن ومن خارجه، وبنزعة سجالية تحرض على الحوار.

ترتبط مباحث الكتاب في مجملها (19 مبحثًا)، بمسار بحثي موحد وبعناوين وطريقة سردية قادرة على تقريب الدراسات للقارئ، عبر توفير قدر كاف من المتعة والمعلومة عبر طريقة خاصة مشوقة.

ويرى مؤلف الكتاب أن دراسته تأتي على مقارنات مهمة في الفن العربي مع الفنون العالمية للأمم الأخرى، وقضية التحريم وتاريخ الصورة في الثقافة العربية، وقراءة الفن العربي المعاصر وفق نماذج علمية، عبر قراءة الفن العالمي ومقارباته اليوم لمفهوم الأصالة، فضلًا عن فكرة التأسيس في الفن العربي ومحاولات الاشتقاق المزمنة التي طالت الفن منذ مؤسسيه وصولًا إلى تلاميذهم، ويقرأ إشكاليات النَّقد وتراخيه أمام هذه القضية وقضايا أخرى تخص الصورة، عدا تشخيصه تلك الإشكاليات التي أسسها النَّقد دون قصد. ويبين، في تقديمه للكتاب، أن هذه الدراسة تتصدى لقضية جوهرية في الفن العربي، غالبًا ما تُتداول من دون أن تمنح جدية كافية للغوص في تفاصيلها، بالقدر الذي ينسجم مع أهميتها وحساسيتها الكبيرة التي مثلت عبر الزمن التباسًا وسؤالًا كبيريْنِ في الثقافة التشكيلية العربي؛ إذ يتجاوز كثيرٌ من دارسي الفن العربي قضيةَ الأصالة، كأن تُتناسى أو يُتطرق إليها على استحياء ما إن تبرز برأسها، فلا تكف تلك القضية عن البروز في كل بحث ودراسة تشكيلية، متنًا أو هامشًا، فتُلمح الدراسات بتصورات معينة، لا تكفي لتوصيف أو تحليل هذه القضية المحورية المهمة؛ ما أتاح الفرصة لكثيرٍ من الآراء الفردية والارتجالية في توصيف الأصالة في الفن العربي توصيفًا عرضيًا، إذ مارس كثيرٌ من الباحثين إجحافًا بحق هذا النشاط عبر تُهم أو تبريرات وإسقاطات، أو تهويمات لا نجد لها أي تفسير واضح، أو دليل دقيق، أو ملاعبات لغوية تعيد بلورة الكلام بلا جدوى، كما أن دفاعات بعضها لم تضع أدلتها الكافية -أيضًا- ما أنهك الفن التشكيلي وجعله يلتفت كثيرًا للوصايا والتبريرات والتوضيحات التي لم تكن من وظيفة الفن التشكيلي نفسه، بل شكلت شوكة في قدم الفن العربي تلح عليه ألمًا، كلما ضغط النَّقد على جانب من جوانب هذه القضية الحيوية. والمسعى هنا هو محاولة الإمساك بواحدة من أهم إشكاليات الثقافة البصرية العربية، وهي إشكالية نقدية أكثر من كونها إشكالية بصرية، ما زالت تمثل محور الإشكالية التشكيلية العربية، فلم يتطرق أي باحث لمفهوم الأصالة في الفن العربي، بالشكل الذي نتطرق له هنا، إذ تجاوز كثير من الباحثين تلك المهمة في دراسة الفن العربي، ولم يتطرق أحد منهم إلى هذا المفهوم، محاولًا الحفر فيه وبحث تلك المسألة؛ فبدت قضية الأصالة وكأنها من البديهيات (سلبًا وإيجابًا) كما لو أن أدبيات الفن التشكيلي العربي ونظرياته قد تجاوزتها، وهو أمر لم يتحقق في الواقع.

واستنادًا إلى ما سبق، يؤكد الجميلي في كتابه «خاصرة الصورة: سؤال الأصالة في الفن العربي المعاصر»، أن “ذلك التراخي جاء بفعل صعوبة الأمر، من ناحية بحثية، أو بفعل إيمان ضمني بتلك (التبعية) التي تشير إلى إلحاق الفن العربي بالفن الأوروبي تحديدًا. فضلًا عن قلة الدراسات وشحة البحوث العلمية في الفن التشكيلي العربي أساسًا، بعيدًا عن الشعرية التي تطفح بها الكتابات عن الفنون، والمقالات المجتمعة التي غالبًا ما تنتهي بكتب عن الفن التشكيلي. وبذلك وجدنا أن من المهم الخوض في قضايا محورية في الفن التشكيلي وخاصة موضوع الأصالة لفهم الإشكالية وتحليلها، والوصول إلى نتائج تمكننا من الإجابة عن الأسئلة التي تطلق في الغالب غفلًا وبلا إجابات. أو تطلق بإجابات عارية ضعيفة، أو بطرق تدليسية لا تشي بموقف أو تصور أو رأي”.

  • الاستشراق وأسئلة الفن العربي

يقول الناقد الفلسطيني الدكتور فيصل درّاج، في تقديمه للكتاب: “يستعيد هذا الكتاب موضوع الفن العربي، منفتحًا على جملة من الأسئلة، تتضمن معنى الفن وكونيته، والشروط الاجتماعية المتعلقة به، وذلك النظر الاستشراقي الذي أدمن على تقديم إجابات جاهزة، رأت في المنظر الإسلامي نفيًا لجميع الممارسات الحرة، ومنها الممارسة الفنية”. مضيفًا: “عالج الكتاب الذي لا يخفي طموحه، معنى الفن، والرسم منه بخاصة، قائلًا بفكرتين جوهريتين: الفن حرية، يصادر ولا يمكن اعتقاله، فهو ضرورة روحية، تواجه القائم بما يمكن أن يكون، والفن الذي هو شكل خاص من (اللعب) قديم وبالغ القدم، منذ أن رسم الإنسان على جدران الكهوف. بيد أنّ ما يجعل الفن ظاهرة اجتماعية، له مؤسساته وأعرافه، مرتبط بالعلاقات الاجتماعية، التي تؤمن له شروطه الضرورية أو تمنعها عنه، بدءًا بحرية الأنا المفردة التي تبدع ولا تحاكي، وصولًا إلى جمهور يعرف الفن ويعترف به، ويتمتع بثقافة لا ترى الفن (إضافة هجينة) إلى المجتمع، ذلك أنّ التعامل مع الأعمال الفنية يقتفي تربية فنية، لها مراجعها الواسعة في المناهج المدرسية، والمتاحف وفي تكريم المتخيل الطليق”.

ويشير د. درّاج، في مقدمته، كيف اختصر البعض من المستشرقين وغيرهم، غياب الرسم والنحت عن الثقافة العربية – الإسلامية في التسلط الشمولي الذي ينكر الحرية في الفن وخارجه، وفي (تكفير الإسلام للفنون)، يقول: “نسي هذا التأويل المبستر أمورًا عديدة، ذات علاقة بالتاريخ الاجتماعي وبالمنظر الإسلامي إلى العالم. فالمجتمع العربي الذي سبق الإسلام لم يعرف ممارسات دالة في الرسم والنحت بسبب حدود تطوره”. مبينًا أنّ “العرب المسلمون لم يرحبوا بها رفضًا منهم (للإرث الجاهلي) الذي عرف عبادة الأوثان، ورفضًا لمفهوم (الخلق)، ذلك أنّ الخالق الوحيد هو الله، وأنّ في (إبداع الصور والأجسام)، كفرًا، أو شيئًا غريبًا منه، أو إيحاءه بأنّ الفن قادر على الخلق”.

يضيف الناقد الفلسطيني في المقدمة: “كان هناك إلى جانب هذا وذاك، الإيمان بقوة اللغة التي تضع الكلام فوق الصورة، وتؤثر الوصف والتوصيف والنسيج البلاغي وتوليد (الصورة البليغة). وانطلاقًا من تصور مشدود إلى التنزيه، آثر المسلمون التعبير بالحرف والخط، مبتعدين عن (التجسيم) مقتربين من تجريدات تدفع إلى تأمل صوفي وتنشئ (جمالية مؤمنة)، منتبهين إلى جماليات الخط العربي التي تحوّلها (الأزمنة الضيقة) إلى زخرفة منتشرة أو إلى تجارة رائجة. والأكيد أنّ التصور الديني للعالم الذي اتخذ من لغة القرآن مرجعًا أعلى له، جعل من البلاغة، أحيانًا، بديلًا عن الواقع، ومن الجماليات اللغوية بديلًا عن الرسم والنحت وفنون أخرى، ولعل هذا التصور المؤمن بقوة الكلمات هو الذي نقض الصورة المرئية المباشرة بصورة لغوية ذهنية، مؤمنًا بأن ما تقبض عليه اللغة، في أسرارها المختلفة، لا يقبض عليه (التصوير اليدوي) ولا يصل إلى قراره”.

ويؤكد د. درّاج أن وضع الفن العربي– الإسلامي، أكان في الماضي أم في الحاضر، “يُقرأ في أمرين أساسيين هما: الثقافة المجتمعية المسيطرة التي تقبل بالتعدد أو تنفيه، والأيديولوجيات السلطوية القائلة بهوية (خاصة) حقيقة أو مخترعة. فإذا كان بالمنظر المستبد ما يملي ثقافة أحادية البعد، فإن القبول بتعددية المنظر ينتج للإنسان المبدع الركون لأشكال تعبيرية متنوعة، ولهذا فإن الشعار القائل: “نحو فن عربي” الذي قالت به الأيديولوجيا القومية. إعادة تقييد الفن وتشويهه، ذلك أن الفن حر وكوني معًا”.

يُشار إلى أنّ الناقد والفنان التشكيلي العراقي صدّام الجميلي ولد في مدينة البصرة عام 1974 ودرس الفن فيها. عمل مدرسًا في كلية الفنون الجميلة في جامعة البصرة. وهو يقيم حاليًا في العاصمة الأردنية (عمّان)، وقد شارك في عدد من المعارض الجماعية التي أقيمت داخل العراق وخارجه. صدر له كتاب فني بعنوان: «فاعلية الخطاب الجمالي: تطبيقات في التشكيل العراقي»، كما سيصدر له قريبًا كتاب بعنوان: «انفتاح النص البصَري.. دراسة في تداخل الفنون التشكيلية».

مقالات ذات صلة

إغلاق