هموم ثقافية

الدراما فلسفة الإبداع

يقول الكاتب الروسي المبدع أنطون تشيخوف: الدراما فنٌ مصفّى. ولأننا نعرف أن الفن هو الحياة والخيال المصفى؛ فإن الدراما تصبح صفوة المصفى.

ما الذي يريده تشيخوف من هذه العبارة الملتبسة؟ وهو الذي كتب القصة والمسرح، وكان، في تلك الفترة، المجددَ والمشارك للمخرج الروسي المؤسس والعبقري ستانسلافسكي. لقد تشاركا مشاركة عضوية في تأسيس مسرح جديد في روسيا، وفي العالم. لم تكن آنذاك السينما قد ظهرت مكتملةً، في بداية القرن العشرين، من هذه الشراكة وهذا القول.

لا أعدّ السينما فنًا بصريًا، بقدر ما هي فن درامي بامتياز. عندما كُوّن شكلٌ أكاديمي للدراما؛ تبين أن السينما هي الفن المصاب بشراهة وإدمان، على استخدام الدراما في كل جزئية من تكوين الصورة. الإبداع برمته لا يكتمل، إلا بقدر استخدامه الواعي والحرفي للدراما؛ ولذلك، نستطيع القول: إن الدراما هي فلسفة الفنون والإبداعات برمتها، تمامًا، كما الفلسفة الكلاسيكية هي ضرورة للحياة.

الدراما تنقل الإبداع من حركته الأفقية، إلى حركة عمودية أفقية، بشروطها التشويقية. وقيمة الإبداع الأولى هي الإمتاع الجمالي، هذا الإمتاع والإدهاش تحمله الدراما الخفية في تركيبة الإبداع، أي إبداع كان.

إنها جزء من البناء الفني، ولأننا انشغلنا في إبداعاتنا بالمحتوى فحسب؛ فقدنا جزءًا مهمًا، من المركب الفني، لكثير من الإبداعات الفنية الأخرى، كالرواية والقصة والقصيدة، وغيرها من الأنواع الأدبية؛ فظهرت أعمالنا بلا إيقاع صفراء أفقية (سطحية)، ومثلها الفن التشكيلي، والرقص والموسيقى، والمسرح والسينما.

لم تكن الدراما شاغلًا فنيًا إبداعيًا معرفيًا للمبدعين! عدّوها مهمة وضرورية فحسب، لأصحاب الفنون الأدائية، لكن وعي الدراما وضرورتها، عند ماركيز، خلق مدرسة روائية جديدة، وكذلك عند مؤلفي الموسيقى الذين نقلوا هذا التأليف الإبداعي، من الموسيقى الغائمة، إلى روح السيمفونيات الخالدة. لذلك، لا يمكن اعتبار الدراما وظيفة محتكرة للفنون الأدائية فحسب (مسرح سينما، وغيرهما من أفعال التمثيل والتشخيص الأدائي).

قد يسأل سائل: أيعني هذا أن المبدع الذي لا يتقن الدراما لا يتقن الإبداع، وأن عليه أن يدرس الدراما؟ والجواب أن الأمر ليس كذلك تمامًا، فالدراما التي تحتاج إلى معرفة أكاديمية هي التي تلزم الدراما الأدائية، لكن ذلك لا يمنع من معرفة حيلة الدراما ومركباتها وجمالها، خارج المعاهد الأكاديمية، وبخاصة في استلهامها للإبداعات الأخرى. وهذا ما فعله كثير من المبدعين في الفنون الإبداعية الأدبية والموسيقية والتشكيلية وغيرها.

الدراما هي شكل، تنتمي للبناء ولا تنتمي للمحتوى، هي لغة تحاكي الروح الإنسانية وتجذبها للمعنى والإدهاش والاستمتاع الجمالي، وهذه هي وظيفة الإبداع الأولى بشكل عام. التشويق/ الذروة/ العقدة/ الاحتدام/ الصراع/ البطل التراجيدي/ النموذج “الكراكتر”، وغيرها كثير من العناصر الفنية هي مستلزمات الدراما، وأصبحت من مستلزمات الإبداع التي تجعل المتلقي متورطًا بالمنتج الإبداعي، من أي نوع كان.

في الفنون الأدائية نكتب الدراما، أي نكتب الفن المصفى. في الإبداعات الأخرى، نستعير الدراما، كي نصبوا إلى الفن المصفى، وتتحقق مقولة تشيخوف الذي استعار فلسفة الفن “الدراما”، في قصصه العظيمة، قبل أن يكتب الدراما “مسرحياته العظيمة والخالدة أيضًا”.

ربما كان السبب في انهيارات الكتابات والفنون الإبداعية، اليوم، هو عدم إدراك ضرورة فهم الدراما واستخدامها في بنائها الفني؛ فنراها تخرج باهتة صفراء أفقية “سطحية”.

قد نستغرب أن تكون فلسفة الفنون “الدراما” هي شكل في البنية الإبداعية وليس محتوى، كوجود الفلسفة الكلاسيكية في الإبداع ذاته. نعم الدراما شكل فلسفي للإبداع وحاملة له، وتغزو الروح كي تشتاق للإبداع، وتصير جزءًا منه؛ لذلك تبحث السينما جادة عن أعمال روائية، تتضمن هذه الدراما، كي تصبح فيلمًا ذا قيمة، مهما كانت الرواية خيالية أو فانتازيا.

الدراما سرّ الفن والحياة معًا، وهي التي تغرينا كي نواصل الحياة، مهما كانت قاسية، وهي التي تجذبنا لتذوق الإبداع، مهما كان غريبًا عنا.

فلا نستغرب أن نجد محمود درويش -مثلًا- ينخرط في قراءات متعددة للأسطورة وملاحم أسخيلوس، كما ينخرط في عشقه للسينما والمسرح.

على المبدع أن يتزود باستمرار من الدراما، وتشكلاتها الإبداعية، كي يبقى متحفزًا دائمًا لانفجار ما؛ يقوده إلى إبداع أجمل وأكثر ديناميكية وحيوية.

مقالات ذات صلة

إغلاق