مقالات الرأي

بوتين ونهاية لعبة الكشاتبين الثلاثة!

في لعبة “الكشاتبين الثلاثة”، يُوظَّف اللاعبون -وهم عمومًا من رعاع المدن- الكشاتبينَ لجني الأرباح، من دون أيّ رأسمال يُذكر، من السذّج والبسطاء والمغفلين الذين لا يعرفون شيئًا عن الدهاء والمكر والخداع، متوهمين أيضًا بكسب النقود من دون جهد أو عمل، وهذا الاستخدام المخادع والماكر، للكشاتبين، يتصل بما ذهبتُ إليه باختيار عنوان المقال، وهنا لديَّ فسحة لمقارنة سياسة بوتين، من الصراع في سورية تحديدًا، بلعبة الكشاتبين الثلاثة.

تقوم اللعبة على خفة اليدين، والقدرة على تحريك الكشاتبين بطريقة تُوهم روّاد اللعبة الطامعين بربحٍ بلا جهد، بأن الكرة الصغيرة، المصنوعة من السولوفان، موجودة تحت هذا الكشتبان أو ذاك، ويتفاجأ المقامر الساذج بأن لا شيء تحت الكشتبان الذي اختاره، وهكذا يحدث مع سواه. بيد أن من يُدير اللعبة يشبه رئيس عصابة متنكرة، وكأن أفرادها جزء من “الجمهور” وبين كل عشر دورات للعب، يترك “الرئيس الكرة تحت أحد الكشاتبين، ويكون الرابح هو واحد من العصابة ليس إلا. وبعد وقت قصير يحملون عدة عملهم (منصة كرتونية صغيرة موضوعة فوق حامل خشبي) ويهربون وهم يرددون: “إجوا” إيحاءًا منهم للمخدوعين بقدوم دورية من رجال “التحري”، ويتوارون عن الأنظار، لينصبوا منصتهم في مكان آخر من شوارع المدينة. ويحدث أحيانًا أن تأتي مجموعة رعاع أقوى فتشتبك مع عصابة الكشاتبين، وتحطم المنصة وتصادر الكشاتبين، وتوجه اللكمات لرئيس اللعبة الذي يلوذ بالفرار.

سياسة بوتين في سورية تشبه لعبة الكشاتبين الثلاثة. فمنذ بداية التدخل الروسي في الصراع بين الشعب والثورة من جهة، وبين السلطة الفاشية وحلفائها من الميليشيات الطائفية التابعة لإيران من الجهة الأخرى، قدّم بوتين نفسه حريصًا على الشعب السوري، بادعائه العمل على حقن الدماء، ووقف الدمار، والدعوة إلى ضرورة الإصلاح، لكن يداه وأدواته الأمنية والعسكرية كانت تدعم السلطة القاتلة، وتوفر لها كل مقومات الاستمرار، على أمل أن تُهزم الثورة ويُعاد إنتاج سلطة الطاغية بشكل أفضل.

بالتفاهم مع حليفيه في طهران ودمشق، قام بطمأنتهم أنَ سياسته لا تحيد عن مصالحهم المشتركة، ومن أجلها تفهموا دبلوماسيته بالاتصال مع بعض من قدموا أنفسهم معارضين لبشار، وبصناعة جماعات معارضة كان ديدنها التأكيد أن الدور الروسي في الأزمة السورية هو القادر على إنقاذ البلاد من أخطار الحرب الأهلية والتدمير والإرهاب والتقسيم، وعلى هذا النسق من الدعاية أيضًا، أضافوا أن روسيا حامية مستقبل الأقليات، وشرعت أبواق المؤيدين “لمعسكر الممانعة” المولعين بالتحذير من الخطر الإمبريالي الصهيوني، تُقدّم الدور الروسي كضرورة لحماية خط “المقاومة والصمود القومي والثوري”، ومنع انهيار مؤسسات الدولة السورية.

على الجانب الآخر، كان بوتين يعقد تفاهمًا مع نتنياهو حول الدور الروسي في سورية، وأنه لن يقف حائلًا أمام الأمن القومي الإسرائيلي، وما يستلزمه من عمليات أمنية وعسكرية داخل الأراضي السورية، وهنا لم يغب عن نتنياهو موضع “الكرة” التي يُحرّكها بوتين بين الكشاتبين الثلاثة. وجاءت صفقة الكيماوي في عهد أوباما ممهورة ببصمات إسرائيل التي تُراقب عن كثب تحريك بوتين للكشاتبين في لعبته بمصير سورية، وبدوره أعطاها حق رؤية “الكرة” التي يُدحرجها في الملف السوري، وابتعاده عن رميها في ملعبها. وثبت للقاصي والداني أن روسيا بوتين لا تهتم للضربات الإسرائيلية ضد حزب الله والحرس الثوري في سورية، وفي الوقت ذاته تعمل معهما ومع سلطة بشار لقمع الشعب السوري وقواه الوطنية المقاتلة من أجل حرية السوريين.

ازدادت سياسة الكشاتبين نشاطًا وفاعلية في المحاولات الروسية للإمساك بكل أطراف ملف الصراع في سورية. فعن “المنصة” الروسية أطلقت موسكو لعبتها في أستانا وجنيف 4، وأدخلت ممثلين عسكريين عن المعارضة السورية في المفاوضات؛ لتُظهر لبقية دول العالم أن منصتها هي التي تنطلق منها عملية الحل للأزمة السورية، مستغلة وجود مختلف التلاوين والأطراف السورية والنظام أولًا. وإذ راحت تحرك “كرة” اللعب، قدّمت أجندتها السافرة في ترتيب الأولويات، وأقحمت أستانا المختص بالشؤون العسكرية ووقف إطلاق النار وإجراءات فك الحصار وإدخال المساعدات للمناطق بالشؤون الدستورية التي هي عملية سياسية قانونية، ثم أستانا (مناطق وقف التصعيد) لتلتف على النقطة الرئيسة في أزمة المفاوضات (موقع بشار في المرحلة الانتقالية وفي مستقبل سورية)، بما يجعلها قادرة على فرض بقائه في قمة السلطة، بل ومن حقه الترشح في أي انتخاب مقبل.

تطاول بوتين في لعبته الماكرة والمراوغة؛ فوسّع من تحريك كرة اللعب من فوق منصته، وكان ذلك بالتصعيد العسكري على الشعب السوري، بالإيعاز لبشار وبالتفاهم مع طهران، للقيام بضرب خان شيخون بالسلاح الكيماوي، ليصطاد “عصفورين بحجر” إرهاب السوريين والفتك بقوى المعارضة، ولاختبار سياسة ترامب، بعد تصريحات رجال إدارته حول أولوياتها التي تتركز على الإرهاب، وتخلو من الدعوة لتغيير نظام بشار. عند هذه النقطة تزلزلت منصة بوتين، وتناثرت كشاتبين اللعب، حين قصفت البوارج الأميركية “منصة بوتين” التي يتفاخر وهو يعتليها بإمساك كل أطراف الأزمة السورية وحتى القوى الإقليمية الفاعلة فيها. فضربة الشعيرات ليست لتقويض القوة العسكرية للنظام، بل لخلخلة كل اللعبة التي مارسها بوتين منفردًا خلال السنوات الماضية. ويمكنني القول إن سياسة الكشاتبين الثلاثة لبوتين، في الأزمة السورية، فقدت عدة اللعب، وتبددت الكشاتبين المخادعة، وما عادت يد الخفة والدهاء والتشاطر قادرة على تحريكها فوق منصة لم تعد موجودة. أما “كرة اللعب” فقد سقطت من يد بوتين لتصبح في ملعبه. وعلى المؤسسة السياسية الروسية مراجعة حساباتها، وعليها أولًا الإقلاع عن اللعبة التي فتكت بالشعب السوري.

مقالات ذات صلة

إغلاق