سورية الآن

ضعفاء تجاه السلطة… أقوياء على شعوبهم

ليست جديدة حالة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. ضعف المناعة إزاء مغريات السلطة شائع في الشرق الأوسط. يتمتع أردوغان الآن بسلطة مطلقة. لا يعنيه أن نصف الناخبين رفضوا التعديلات الدستورية التي مرَّرها في استفتاء 16 نيسان (أبريل) الماضي، مثلما ينسى رؤساء آخرون في المنطقة أن حصولهم على ما يقرب من العلامة الكاملة (100 في المئة) في أي اقتراع ليس حقيقياً.

أردوغان، إذاً، ليس فريداً في طغيانه. أمثاله كُثر في بلدان عربية عدة ذات نظم فردية مطلقة تُسمى «جمهورية». قد تجد العداء مستعراً بين هذا وذاك منهم، لكنهما يتشابهان في عشقهما السلطة وبغضهما المعارضة، واستخفافهما بالشعب الذي يُختزل في كتلة صمَّاء تصفّق وتهتف. وجميعهم لا يختلفون فعلياً عن المرشد الإيراني الأعلى الذي يضعه دستور ما يُسمى «الجمهورية الإسلامية» في مرتبة تبدو كأنها فوق البشر فيزيقياً، وليس سياسياً فقط. كل ما في الأمر أن هذا الدستور أكثر صراحة في التعبير عن تأليه الحاكم وإضفاء قداسة عليه من الدستور التركي المعدل، ودساتير بلدان عربية تنطق نصوصها بمرض سُعار السلطة الذي يصيب من يجلس على مقعد الرئاسة «مُنتخباً»، فيلتصق بجسده.

وما أن يستوي هذا الرئيس أو ذاك على الكرسي الأعلى حتى تظهر عليه أعراض الشره والنهم، ويشرع في التهام ما لا تقبض عليه يداه من سلطات. وإذا كان في الدستور ما قد يعوقه عن التفاني في التعبير عن عشقه لسلطته المحبوبة حتى يعد العُدة لتعديل النصوص التي يخشى أن تُعطّله عن تحقيق «أمجاد» اختارته «العناية الإلهية» لإنجازها. وقد يترك مهمة استكمال «التأليه» للمصابين بمرض مداهنة الحاكم، إذا كان راغباً في أن يُبايَع على طريقة بعض تنظيمات الإسلام السياسي التي ترفع شعارات زائفة مثل «طالب الولاية لا يُولّى».

وإذا أردنا أن نُعيد مأساة منطقتنا التي تبلغ ذروتها الآن إلى أصولها، استعدنا مشاهد لا حصر لها لرؤساء كان واحدهم يطرب لوصفه بـ «الرجل القوي» في بلده. فقد جرَّفوا مجتمعات بلدانهم، ولم يكتف بعضهم باحتكار سلطات بلدانهم، بل سعوا إلى فرض «زعامتهم» على «الأمة العربية» التي لم تكن لأي منهم سوى ساحة يسعى إلى التحكم فيها.

يبدو الحاكم المصاب بسُعار السلطة قوياً جبّاراً يخشاه الناس وهو يحكمهم بالحديد والنار، وضعيفاً في الوقت نفسه أمام مغريات السلطة، ومفتقداً الحد الأدنى من المناعة اللازمة لمقاومة سحرها.
وعلى تعدد الاجتهادات وتنوعها في شأن تفسير استعصاء التطور الديموقراطي في منطقتنا وأهمية العامل الثقافي في هذا التفسير، يبقى ضعف الحاكم أمام سلطته مصدراً رئيساً للتردي الذي حدث في معظم بلدان هذه المنطقة، والتجريف الذي أصاب مجتمعاتها.

في هذه المنطقة، وأكثر من أي إقليم آخر في العالم، قليل هم من ينتصرون على السلطة ويقاومون سحرها في مختلف مستوياتها وأنواعها، وليس فقط في قمة الهرم السلطوي في الدولة. وفي هذه المنطقة المصابة معظم بلدانها بهشاشة في مختلف أوضاعها، يظل سحر السلطة أقوى من قدرة معظم من يحوزونها على مقاومته، ما داموا يرفضون الإقرار بأن لها حدوداً ينبغي أن تقف عندها.

ويرتبط ذلك بالمفهوم السائد للسلطة، وما يؤدي إليه من تكالب عليها وتشبث بها، ومن ثم بذل الغالي والنفيس للالتصاق بكراسيها والاحتفاظ بها حتى الرمق الأخير. السلطة، وفق هذا المفهوم، غنيمة وليست خدمة عامة، بخلاف المعنى الذي يتكرر في الخطاب الأخير (خطاب الوداع) لغير قليل من الرؤساء ورؤساء الحكومات في الدول الديموقراطية، حين تنتهي مدتهم، وهو التطلع لخدمة الشعب بطريقة أخرى من خارج السلطة.

وما أبعده مفهوم الخدمة العامة هذا عن الإدراك الشــائع لمعنى السلطة في البلدان التي لا تعرف الديموقراطية. وفي كثير من هذه البلدان يرتبــط مفهوم السلطة بأن من يمتلكها إنما يغتنمها من «فم الأسد»، أو يخطفها من «براثن النمر»، ما يعني أن المتصارعين عليها من أصحاب القوة الخشنة بمصادرها المختلفة، حيث يفوز أقواهم الذي يصبح ضعيفاً إزاء مغريات الكرسي الذي يتربع عليه.

ويظن من يغتنم السلطة على هذا النحو أنه حصل على تفويض مُطلق يبيح له فعل ما يراه هو «خيراً» للشعب من دون مشاركته وبمنأى عن رقابته ومحاسبته. ولا يقتصر الاعتقاد بأن السلطة تبيح تفويضاً مطلقاً، وليس نسبياً ومحدوداً زمنياً، على رؤساء جبابرة، بل يمتد إلى كثير من أشكال السلطة. كما أنه ليس محصوراً بالسلطات الرسمية، إذ نجد مثله أيضاً في أحزاب سياسية ومنظمات غير حكومية، وغيرها من الهيئات التي يقتضي العمل فيها تفويض من يديرون شؤونها.

فالسمة الغالبة في ممارسة مختلف أنواع السلطة غير الديموقراطية هي تحويل التفويض النسبي إلى مطلق. لكن العواقب التي تترتب على ذلك في سلطة الدولة تظل أخطر من غيرها، ليس فقط على الشعب الذي يُستبد به، ولكن أيضاً على هذه السلطة لأنها تُضعف نفسها فتفقد المقومات اللازمة لنجاحها، وفي مقدمها المشاركة الشعبية الحرة.

فالسلطة التي تبدو قوية أو متجبرة على شعبها هي في واقع الأمر أضعف من تلك التي تخضع لرقابة مؤسساته السياسية والمجتمعية ومساءلتها. لكتها تغطي ضعفها بواسطة الإفراط في القهر. والرئيس الذي يظن أنه يملك البلد بشراً وأرضاً وموارد وتاريخاً ومستقبلاً، وأنه الآمر الناهي الذي لا راد لمشيئته، لا يعرف أن الحلقة الضيقة التي تحيطه (الأوليغاركية) هي التي تمارس في الواقع معظم السلطات التي يملكها نظرياً. فقد أظهرت تجارب شتى أن البديل من إلغاء توزيع السلطة في النظام السياسي ليس تمركزها في يد رئيس فرد واحد، بل توزعها بين عدد محدود من الأفراد قد يكون نصيب هذا الرئيس الأقل بينهم.

وهذا جوهر الفرق بين المعنيين النسبي (الديموقراطي) والمُطلق (الأوتوقراطي) للسلطة في عصرنا. فالتفويض الانتخابي في السلطة الديموقراطية محدود زمنياً حتى يحل موعد الانتخابات التالية التي قد تؤدي إلى استبدال من يشغلون هذه السلطة. كما أنه تفويض محدود موضوعياً، لأنه مقيد بقواعد دستورية، وأخلاقية أيضاً، لا تجوز مخالفتها تحت أي ظرف.

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق