كلمة جيرون

شاهد على عصره

همس لي أحد كتابنا الكبار: “ماذا نكتب!؟ وكيف!؟ إن اﻷهوال التي نراها لا يمكن تصوّرها أو تصويرها! أصبح الواقع سرياليًا! إنه يفوق الخيال والقدرة النفسية والإبداعية…”

لم أفهمه فهمًا خاطئًا، لأنه مبدع حقيقي، وهو من جماعة “المحكومين بالأمل”، ثم إنه -مذ عرفته- كان يعيش هذه اﻷهوال، ويكتب عنها كتابات جميلة..

لا أذكر من الذي قال: إن “الفنان الحقيقي هو ذاك الذي يستطيع أن يرسم “الزبالة” بشكل جميل” نعم. إن عملنا يشبه إلى حد كبير عملَ “الزّبال” أو عمل سيزيف، إن شئت. فلو أن الزبال توقف عن التنظيف، لطمرتنا الأوساخ، ولو استعظم سيزيف تلك الصخرة، ورأى دحرجتها إلى قمة الجبل أمرًا مستحيلًا، لما تحول إلى أيقونة تمجّد عظمة الإنسان وقوة إرادته في مواجهة الواقع.

كنت أعلم أنه يشعر بالمسؤولية تجاه الكلمة، يخاف عليها من التسطيح والارتجال والاستغلال، يريد أن يحميها من أشباه الأدباء وتجار الحبر ومتسلقي المشاعر والمواقف الوطنية. إنه حريص على أن يكون الأدب فاعلًا غير منفعل، كاملًا غير منقوص، يقوده العقل والجمال والحكمة؛ لا التهور والصراخ والمزايدة. وهو محق في ذلك كله، كما أنه محق في خوفه من أن تحل الشعارات الطنانة مكان الفن الحقيقي.

لكن الثورات والمنعطفات التاريخية الكبرى، والكوارث الوطنية المدمرة التي تسببها الحروب الأهلية، والنزاعات العرقية والطائفية؛ علمَتنا أن الحرب -وإن استطاعت أن تطحن الشعوب والأوطان- لا تستطيع طحن الأدب والفكر والفن. إنها تطرح علينا تحديات حقيقية، بسبب ما تحمله في طياتها من عنف وقسوة وأهوال؛ أقلها الجوع والقتل والحصار والتشرد والدمار والانتقام الذي يتوج بانحطاط القيم الأخلاقية، وانفجار الغرائز الحيوانية، وسيادة الموت وشريعة الغاب وفقدان الأمل. وتكون هذه التحديات كبيرة أمام الأدب والإبداع الفني بخاصة، فالكاتب جزء لا يتجزأ من هذه المحنة أو الكارثة الإنسانية التي تحل بشعبه، وهو ليس بمعزل عن هذه المعاناة. إنه يعيشها ويتأثر بها جوعًا وحصارًا وقتلًا وتعذيبًا، وهو الوحيد القادر على توثيقها وإعادة إنتاجها والتعبير عن روحها، وعما يجول في صدور أهلها من شجون وآلام وطموحات. هو الوحيد الشاهد على عصره، القادر على الوقوف أمام محكمة التاريخ، الصارخ بملء فمه أمام الأجيال القادمة، مثلما صرخ دستويفسكي من “بيت الموتى”، وبابلو نيرودا من “منزل الأزهار”، وهمنغواي في وجه الحرب والبحر… ومثلما صرخ سرفانتس ولوركا وكافكا والمتنبي ومحمود درويش…

لقد حدث ذلك منذ فجر التاريخ، منذ الملاحم اﻷولى للشعوب: جلجامش والإلياذة والشاهنامة، مرورًا بملاحم الثورات الحديثة التي عاشها وكتب عنها عشرات الكتاب، من أمثال ستندال في “الأحمر والأسود”، وشولوخوف في “الدون الهادئ”، وماركيز في “مئة عام من العزلة”، وغيرها الكثير من الأعمال الخالدة، الصادقة أكثر من التاريخ الرسمي (كما وصف إنجلز روايات بلزاك “الملهاة الإنسانية”).

لا يمكن التوقف عن الكتابة، في زمن الثورة، أو الخوف منها، بحجة أن الواقع أكبر من الكلمة! ومتى كان الواقع يشبه الكلام؟ وهل يحتاج الإبداع إلى ظروف مناسبة؟ هل له مواعيد وأوقات محددة!؟ إنه وقفة في وجه الظلم، وصرخة ضد الموت، تخرج دون إذن منا، وهو دفاع مستمر عن الحلم والقيم الإنسانية المهددة بالانتهاك، في كل زمان ومكان. نعم، الأدب -وحده- القادر على كل ذلك، ويجب أن يكون هذا الأدب أدبًا حقيقيًا، يرتقي إلى مستوى تلك المآسي والطموحات، ويعبّر عن ضميرها.

سنكتب وننشر ما نكتب كي لا يُقال: صمتَ الشعراء، وكي لا يُقال: ما من شاهد على ذلك العصر! سنكتب ونكتب كي تجد الأجيال القادمة في كتبنا أثرًا لأرواحنا، إن لم تستطع أن تجد في الرمال أثرًا ملموسًا لدمنا وأصابع أقدامنا.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق