سورية الآن

“أستانا” جديدة.. وأسئلة قديمة

بعد فترة وجيزة على المضي في ما عرف باسم “اتفاق المدن الأربع” القائم على التهجير الطائفي، يأتي الاتفاق في الجولة الأحدث من مفاوضات أستانا الكازاخية، أول من أمس، على مناطق أربع أيضاً يشملها ما تسميه روسيا “وقف التصعيد” العسكري. هكذا، يعود السؤال القديم الجديد، ولعله الأبرز حالياً، بشأن ما إذا كان تقسيم سورية جغرافياً وطائفياً، ضمن تسوية سياسية أو من دونها، قد صار الحل النهائي الوحيد من وجهة نظر الأطراف الإقليمية والدولية التي باتت تتحكم بسورية تماماً، عسكرياً وسياسياً على حد سواء. وهو الحل المقبول تماماً من الولايات المتحدة التي وإن كانت غائبة فعلياً عن “أستانا”، فإنها ماضية أصلاً في اقتطاع الجزء الذي تريده من سورية، من دون أن تكشف عن رؤيتها النهائية بهذا الشأن، ولا سيما مع إصرار أنقرة –حتى الآن- على رفض إنشاء كيان كردي مستقل في سورية، إن بحكم الأمر الواقع أو في إطار قانوني فيدرالي.

طبعاً، الإجابة عن سؤال التقسيم ترتبط بالإجابة عن سؤال آخر قديم جديد أيضاً، هو المتعلق بمدى جدية روسيا الالتزام بمقترحها هي ذاتها، وتثبيت الهدنة/ التهدئة/ تخفيف التصعيد في المناطق الأربع، وضمن ذلك سؤال قدرة (رغبة) موسكو، بخلاف تجارب سابقة، على ضبط المليشيات الإيرانية في سورية، والتي تتبع الحرس الثوري الذي يخضع للولي الفقيه وليس للحكومة الإيرانية التي اعتُبرت أحد ضامني اتفاق أستانا.

هنا تبدو المفارقة في أن ما قد يرجح الجدية الروسية هو غياب الولايات المتحدة الأميركية عن اتفاق أستانا، بخلاف رغبة روسيا وحتى إلحاحها في طلب مزيد من الانخراط الأميركي. فهذا يعني حاجة موسكو إلى إظهار قدرتها على لعب دور حاسم سياسياً من خلال إنجاح “اتفاقها”، وبما يدفع أو يجبر الأميركيين على الانخراط في العملية السياسية بالرؤية الروسية.

في هذا السياق تمكن قراءة تصريح رئيس الوفد الروسي إلى أستانا، بأن “الحديث عن انسحاب القوات الخاضعة لإيران من سورية ممكن بعد تثبيت هدنة مستقرة”. فعلى الرغم من رؤية البعض للتصريح على أنه محاولة لاسترضاء المعارضة السورية التي احتجت على اعتبار إيران ضامناً للتهدئة مع أنها متورطة في المجازر بحق الشعب السوري منذ الأيام الأولى للثورة، فإن التصريح الروسي يبدو موجهاً للإدارة الأميركية أكثر من أي طرف آخر، ولا سيما أن تحفظ واشنطن المعلن على “أستاناً” جاء من بوابة الدور الإيراني أيضاً. ولا يغير من ذلك إعلان موسكو أن أجواء مناطق وقف التصعيد ستكون مغلقة على الطيران الأميركي، والتحالف الدولي بشكل عام. إذ لا يكاد يكون هناك نشاط جوي أميركي في هذه المناطق، باستثناء عمليات محدودة ومتباعدة استهدفت بعض قيادات وعناصر “جبهة النصرة”/ “فتح الشام”. وبذلك، ابتداء، يكون هذا الإعلان، حتى في حال تصديقه وأخذه بجدية، عديم القيمة فعلياً، أو محاولة أيضاً للضغط على أميركا للتواصل مع الروس، بما يضمن تنسيق العمليات ضد “فتح الشام” في إطار استراتيجية أكبر.

وفي سياق الحديث عن الأجواء المغلقة، يبقى سؤال أخير: هل ستكون أجواء المناطق الأربع مغلقة على الطيران الإسرائيلي تحديداً؟ الإجابة شبه البدهية هي: لا طبعاً، كما تؤكد كل الوقائع منذ التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية.

(*) كاتب أردني

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق