هموم ثقافية

حول “اجتثاث الجذور” و “إبادة المدن”

“المدن لا تموت، كالحب، كالشعر، كالموت

والطارئون، طارئون وحسب”

 

الحرب لا تعطي أجوبة، ربما لأنها هي جوابٌ يحملُ إبهامه الواضح، وعبثيته المنظَّمة. إنها، في كل لحظة، تطرح أسئلتها المؤتمتة بخيارات مفتوحة، صعبة، مرهِقة وعصية على الحل.

غالبًا ما تكون الحرب جوابًا لانغلاق الرؤى، لوهم القوة، لاستبداد الطاغية، لغياب الديمقراطية، لاحتشاء فكريّ وعدم احترام الاختلاف. وقد تأتي استجابة لقهر تسلطيّ، لنعي المدنية وانعدام الأفق.

ولأنها جوابٌ ناقص، تطرح نفسها كأسئلة محايثة وضاغطة، على أعصابٍ تشعر أنها تفقد القدرة على التحمل في كل لحظة، أعصاب ليست من قش لكنها مهدَّدة بالاحتراق في كل لحظة أيضًا.

من بين الأسئلة الكثيرة التي تطرحها الحرب تبرز على السطح أسئلة: الهوية، المواطنة، المصير، الذات والآخر، التعددية، العدالة والكرامة الإنسانيتين. وعلى الرغم من أن هذه المصطلحات، تبدو لأول نظرة وكأنها صياغات لغوية أو فكرية تأطيرية، إلا أنها في الواقع ستأخذ معنى: القتل، التهجير، تدمير المنازل، الاعتقال، عدم الاحترام، الطرد من العمل، غياب الفعل الثقافي، أزمات مستدامة، أزمة وقود، أزمة مياه، والعيش على خط الصفر الحياتيّ، من دون ضامن، والمستقبل في حكم ضمير غائب.

 

متلازمة القلق الوجوديّ

إن ما يلخص هذه الأسئلة هو هذه العبارة. سريريًا، تُعرّف المتلازمة sendrum، بأنها مجموعة من الأعراض الجسدية المتزامنة، تصيب أجهزة متعددة في الجسم. من هنا يمكننا تعميم المصطلح عندما يغدو المرض مجتمعيًا، ويتعلق بالحياة كوجود فعليّ، مهدد بخطر الانعدام. إن ما تطرحه هذه المتلازمة هو القلق الناشئ عن ظروف تهدد الوجود الخاص للإنسان، من حيث هو يتنفس ويعيش، وليس القلق بمعناه الفلسفيّ الذي طرحته الوجودية. إن شعورًا بالانتهاك، الظلم والعجز، تمثل الأعراض الأساسية لهذه المتلازمة. وهي ليست ناتجة عن تشوه صبغيّ أو غياب جزئيّ أو كليّ لأي ذراع مورثيّ، إنها ناتجة عن تشوه إراديّ. إن رعبًا عمليًا، لم يعد غيبيًا أو ميتافيزيقيًا، من شأنه أن يحدّ من إمكانات العيش، هو رعب مكبِّل للحرية، رعب منتهِك. وإن كنا حاملين لنوايا طيبة ونسعى لخلق عالم جنَّاوي، نكون نحن أصحابه، وغير قابلين للطرد منه، مهما تعاظم سعينا للمعرفة والحرية، فنحن ما زلنا نشعر بأننا محرومون ومنتهكون وعاجزون، عن تحقيق عدالة إنسانية. وبهذا نعرّف متلازمة القلق الوجودي بأنها الحياة في خطر الانعدام، والمعادل المعرفي، للعيش بلا معنى.

 

بين الاجتثاث والابادة

ظهر في القرن العشرين مصطلحان لغويان من منشأ حربيّ: “اجتثاث الجذور” و “إبادة المدن”. الأول طرحته الفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل، في أربعينيات القرن العشرين، خلال الحرب العالمية الثانية، وما رافقها من عمليات قتل وتطهير واعتقال وتهجير، حيث جرت عمليات واسعة من الإبادة والقتل الجماعيين، رافقها كم هائل من الظلم الإنساني. أما المصطلح الثاني فقد أطلقه عمدة بلغراد، في الحرب اليوغسلافية، في تسعينات القرن العشرين، مختصرًا الوحشية المصمِّمة الهائلة، في محو مدن كاملة جغرافيًا وبشريًا، عن وجه الخارطة.

في سورية، نعيش واقعيًا كلا المصطلحين. فبينما تغدو عمليات التغيير الديموغرافي المعمول بها، في مناطق عديدة من سورية، خاضعة لتأثير المصطلح الأول، تبدو عمليات تدمير المدن والقرى، ونهبها، وعدم السماح لأهلها بالعودة إليها، مع أن بعض المدن أصبح خارج دائرة الحرب، يبدو هذا خاضعًا لتأثير المصطلح الثاني.
وفي الحالتين، يبدو أن الناس غدوا مهجرين، معزولين، فاقدي الحضور، عاطلين عن العمل، مدمري الروابط الأسرية، وراكضين من جمعية إلى أخرى، للحصول على المعونة. لقد باتوا مصنفين ضمن متلازمة القلق الوجوديّ.

مقالات ذات صلة

إغلاق