أدب وفنون

الخواتم وأصابعٌ لنوافذ القلوب

لا يكتمل شعور الحصانة لديّ إلا حين أنظر إلى قلاع المدن، إنّها حشمة تُثير الكثير من الرغبة، فالقلاع لا تُدمّر؛ حتى وإن فُتِحت المدن أو اغتصبها الغزاة. لم أفهم سبب تشبّه النساء بمدنهنّ، حين تأمّلت النساء الأربيليات/ بنسبتهنّ إلى مدينة أربيل، وهنّ يجُبن المدينة بالبرقع، وكأنّني على بعد أمتار من قلعة حلب، فالنساء قلاع لا تغذّى سوى بالخواتم.

مدينة أربيل التي لم أجد لها حديثًا وافيًا، في الأدبيات العربية، كأي مدينة عاش فيها أبطال الروايات أو القصائد، ربما لأنّها مدينة كردستانية! لكن في مدن إقليم كردستان ثمة حضور لذيذ للروح العراقية، في تنقّلها بين اللغات؛ الكردية والعربية والتركمانية والأشورية؛ حتى إنّك تجد أهلها ينتقلون بين تلك اللغات بالنبرة ذاتها؛ إنّها لغات اللهجة العراقية، أربيل تلك؛ تمتلك من السعة ما يجعلك تنظر إليها نظرة العواصم، وليس نظرة لمركز الإقليم، إذ بدت لي أنّها تشبه دمشق، كما يُجمِع على ذلك أغلب اللاجئين السوريين فيها، في قدرتها على إعطائك كلّ ما تحتاجه، ولكنّك تشعر بهم لا يحبونها للسبب ذاته.

إنّهم يخافون أن تسرقهم من ذكرياتهم، أو ربما خالجني ذلك الشعور حين وصلت إلى السوق الوطني المحاذي للقلعة، حينئذٍ رأيت نفسي في عمق المفاجأة، إذ لم أعتقد أن أرى مكانًا يحضره التراث بذاك القَدر الكبير من البهاء.

في باص النقل الداخلي بين معالم المدينة وأحيائها، كان يقف إلى جواري شابان هنديان وخلفي اثنان يتحدثان التركية، وفي المقاعد الأمامية ركاب بدا من سحنتهم أنّهم من النازحين العراقيين، وفي مقعد فردي آخر امرأة تتحدث بهاتفها الجوال بالفارسية، أمام هذا المشهد شعرت أنني بحاجة إلى أن أكوّن مع المدينة علاقة أوسع، فهي التي دخلت العصر الحديث –مؤخّرا- بمفاهيم السياسة والاقتصاد؛ سرعان ما تشعر بأنّ لها تلك القدرة على بلوغ مراحل متقدّمة أكثر، في استيعاب أكبر قدر من الثقافات والألوان.. ما إن دخلتُ إلى سوق الفضة المحاذي للقلعة؛ حتى رأيت الألوان والثقافات تنصهر في الفضة، وتمتزج كحياة أبدية، كان ذلك أشبه بالوصول إلى المشاعر الكاملة، تمامًا كما في اللحظة التي شعرت فيها أنني وصلت إلى قلبكِ وتحدثنا حينئذ عن النَفَسِ المُكتمِل داخلنا.

في سوق الفضة استدرجني قلبي لأهبَ ما أملك من نقود لعرس الكمال. اقتنيتُ هدايا لمن أحبّهم، “حقيبة يد، مسبحة، سوارًا… واقتنيتُ لكِ خاتمًا من الفضة الغامقة. قال لي البائع إنّها أحد أنواع الفضة الهندية الثمينة، كانت فرصة لها أن تكسبَ بريق أصابعكِ، أصابعكِ التي لم أفهمها أبدًا؛ حتى عندما أمسكتها بيدي! ربما أفهمها حين أراها تلمع حبّا للخاتم ذاك، فأنا أتفاءل بالخواتم، إنّها تذكرني بالنهايات؛ حيث الخواتم تلتقي بالأصابع في عرس طفولي، يشبِه العرس الذي أقيم لعلي خان والأميرة نينو كيبالي، في الملحمة الرومنسية الأذرية علي ونينو.

لكن ذلك المشهد أحالني إلى تراتبية الأحداث، قبل أن يحتفي الأمير علي، والأميرة نينو، بزواج بسيط على غير عادة الأمراء، فالأمير كان قد اضطر للهرب إلى جبال داغستان، بعد أن قتلَ الأرمني الذي حاول اغتصاب نينو واختطافها، ثم لحقت نينو كيبالي به، بعد شهور من الهرب، لأنّ عليًا الذي أحبّته كقدر، أشار المجتمع -أيضًا- بأنّه قدرُها الضائع، بأصابع اتهام فقدان العذرية، في حادث الاختطاف.

في أربيل، شعرت بأنّي علي خان الذي يمكن أن يُفاجأ بقدوم نينو كيبالي، ولكنّي لم أنتظرك هناك، ودّعت المدينة، قاصدًا مخيم اللاجئين السوريين في دهوك، كنت بحاجة إلى أن أرى كيف يستطيع من فقد بيته أن يعيش مرة أخرى!؟ فالبيت المفقود حبيبة ضائعة، والارتباط بمن لا نحب يشبه السكن في المخيم؛ حيث البيوت لا تملك روح الاختلاف. كنتُ بحاجة لأن أتبادل الأحاديث مع اللاجئين كلّهم، عما يمكن أن يفعله الفقد بالإنسان!

بدا طريقي، من مدينة دهوك إلى مدينة زاخو، غير مبال بالقرى المتناثرة، فالطريق الذي يهتم بأكثر من اتجاه هو طريق مخادع، تضيع في جهة ما، وتضيع الجهات في داخلك، أما الذي ينتمي إلى جهة واحدة فهو الذي يتناسب مع القول “لا شيء يتوقف سوى الموت والطريق”، هو ليس أوفى بوعده منهما، الحقيقيون يثقون بالطرق التي يسلكونها من دون أن يكثّفوا مسافة مفترق أو انحدار، كان ذاك يشبه الطريق الأخيرة للإنسان، وهو مستلقٍ على خشبة ترفعها الأكتاف إلى منزلها الأخير، كما في مشهد التشييع في مسرحية، كان يقدّمها بطلا الفيلم الإيراني “البائع”؛ حيث يجرّد فيه المخرج الإيراني أصغر فرهادي الموت من رعبه، ويعطيه من الأناقة التي تجعلك تواجه الموت بلباقة، من دون أن تفكر في الأثر الذي سيتركه الفقيد على محبيه.

تأسيس علاقة أخرى، مع المفاهيم والأفكار والقضايا، كانت حاجتي القصوى للحصول على ثقب، أستطيع من خلاله النظر مرة أخرى إلى الحياة، والحصول على الشرفة التي تطل على قلبك.

في ذاك الطريق، كنت أمام حرب دونكيشوتية مع المطر؛ أشبه بصراع نفسي لمتّهم، بجريرة شائعات تكبر كقطعة عجين في الفرن، قبل أن أجد نفسي مهزومًا!

لم أشعر بتلك القدرة المفترضة لزجاج السيارة، على حمايتي روحيًا وجسديًا، من المطر الذي بدا في غزارته وكأنّه ينتقم. ولكنّه المطر؛ المطر الذي يملك تلك القدرة على اغتصاب الزمن والعودة بك إلى الوراء؛ حيث لك ركن في ذاكرته الموحلة. يرفض العلاقة المؤقتة بين الشمس والأشياء، قد يعصر غيومًا كبيرة، ليغتصب البلل في ثيابك المعلقة على حبل الغسيل، فيتحول الماء حينذاك من فعل الطهارة إلى فعل النجاسة، إنّه الفشل الذي يصيب الماء في جوهر وجوده الدال على الحياة، تمامًا كرسائل الحب التي يقرؤها الشخص غير المعني بقراءتها، أو الأنثى التي يصيبها الفشل العام في أعضائها الداخلية؛ حين تتعرض لحادث اغتصاب ناتج عن شهوة وحشية، والفشل كأثر دائم للاغتصاب، هو الوجه الحقيقي للشعور الذي يصل فيه الألم والحزن، في آن ما، إلى ذروتيهما.

الاغتصاب كفعل قبيح قد يتعرض له أي شخص، حتى في تفاصيل حياته اليومية، فأسرارك، حين تكتشف، تصاب بذاك الشعور الذي يمتزج فيه الألم والحزن، ويسمى بالفشل، الأسرار شفافة جدًا، إنّها تشبه المفاتن الأنثوية في رقتها، والإغراء الذي يمكن أن تفعله، ولكنها تكون في منتهى البأس والخشونة، حين تخرج من كينونتها الخفية إلى منفى النور.

إلا أن المخرج الإيراني أصغر فرهادي، في فيلمه “البائع”، يستطيع تحقيق تجانس متقن في معالجة حادثة الاغتصاب، من دون بيان وجهها الفضائحي الكارثي، فيعيد ترتيب العلاقة بين الجلاد والضحية، بقدرة مميزة في التغلب على بشاعة الحادثة، وذلك حين يتمكن من نقل المشاعر ذاتها إلى الجهة المعاكسة، لتتمكن الضحية من جعل المعتدي يتجرع شعور البشاعة، وإظهاره في أشنع صورة، وهي الضعف المقيت، فالمجرم في لحظات ضعفه يكون أبشع بكثير في حالاته الأخرى.

سلكت طرقًا كثيرة ومررت بمدن وبلدات، من دون أن أتمكن من إعادة ترتيب علاقتي مع الأشياء دونك، وأرسلت رسائل ولكنك كنت تقرئينها وتمسحينها لفورك. إنها ثقتكِ المفقودة، بأنّها رسائل قد تكون مقروءة، أو يمكن أن تُقرأ في أي لحظة، لكنّي في كلّ بلد مررت به، أخذت لك خاتمًا، وحدها الخواتم لها القدرة على إغلاق الأصابع أو فتحها، فالأصابع نوافذ القلوب.

مقالات ذات صلة

إغلاق