تحقيقات وتقارير سياسية

روسيا “العمياء” تنظر إلى اللاجئين السوريين من الغربال

لا يتجاوز عدد السوريين الحاصلين على حق اللجوء في روسيا، منذ بداية الثورة في 2011، عدد أصابع اليد الواحدة. وعلى الرغم من أن روسيا هي المتسبب الأساس في نزوح أكثر من نصف الشعب السوري، بدعمها النظام سياسيًا ودبلوماسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، وبتدخل جيشها المباشر، فإنها ترفض تحمّل أيّ مسؤولية في مساعدة اللاجئين السوريين، فيما تتحمل بلدان الجوار، والاتحاد الأوروبي نتائج مغامرات روسيا، وإصرارها على دعم الأسد. وتشير تقارير إلى أن عدد السوريين الذين يقصدون روسيا يساوي عدد من يخرج منها، ويعود ذلك إلى عدم إمكانية الحصول على حق اللجوء أو حماية إنسانية، أو إقامة قانونية.

وتصرّ الخارجية الروسية على اعتبار سورية بلدًا آمنًا، وقامت بترحيل عشرات السوريين إليها، أو إلى بلدان أخرى تقبل السوريين من دون فيزا. ومن جهة أخرى ترفض روسيا المساهمة في تلبية حاجات اللاجئين السوريين الذين ازداد عددهم كثيرًا، بعد تدخل روسيا العسكري لصالح نظام الأسد خريف 2015. وفيما تتشدق السلطات الروسية بإرسال طائرات للمساعدات تتضمن مواد غذائية وأغطية إلى مناطق سيطرة النظام في الدرجة الأولى، فإن تقرير منظمة “أوكسفام” الدولية حول” تحليل حصص المساهمة العادلة” حدد نصيب روسيا من عبء تمويل المساعدات الإنسانية بـ 717 مليون دولار تقريبًا، ولكنها لا تساهم إلا بـنحو 1 في المئة من نصيبها العادل من المساهمات، وهي أدنى نسبة من بين 32 دولة شملتها دراسة المنظمة.

لجوء مؤقت مدة سنة، بعد الرشوة

وتقدر السلطات الروسية عددَ السوريين في روسيا الاتحادية بنحو 12 ألفاً. لكن هذه البيانات تضم -حسب دائرة الهجرة الروسية- أعداد الطلبة السوريين والمقيمين بغرض العمل قبل 2011، وكذلك موظفي السفارة وعائلاتهم، إضافة إلى طالبي اللجوء.

وتركز المنظمات الأهلية الروسية، على قلتها، جهودَها عمليًا في البحث للسوريين عن بلدان ترحب باللاجئين الفارين من الحرب، ويرغب معظم السوريين المقيمين في روسيا بالعودة إلى بلادهم، أو إيجاد بلد ثالث حتى تضع الحرب أوزارها.

وحسب تقارير “لجنة المساعدة المدنية” -هي منظمة تساعد اللاجئين في روسيا- فقد حصل 7096 سوريًا منذ 2011 حتى نهاية 2016 على لجوء مؤقت مدة سنة، يصعب تمديدها في أغلب الأحيان، وأن شخصين اثنين فقط حصلا على لجوء دائم حتى منتصف 2016.  وتشير المنظمة إلى أن كثيرًا من اللاجئين السوريين غادروا روسيا إلى أوروبا عبر ممر الدائرة القطبية الشمالية إلى النرويج وفنلندا. واستخدم آلاف السوريين في نهاية 2015 وبداية 2016 الدراجات والمناطيد قاطعين عشرات الكيلومترات للوصول إلى النرويج في درجات حرارة تصل إلى نحو 40 تحت الصفر.

ويذكر محمد (…) -فضّل عدم الكشف عن اسم العائلة- وهو شاب سوري من الغوطة الشرقية، ويستقر حاليًا قرب برلين في ألمانيا، أنه بعد أن أنهى دراسته في إحدى جامعات موسكو، تقدم للحصول على لجوء في 2014. وأكد أنه دفع 550 دولارًا من أجل الحصول على لجوء مؤقت مدة سنة. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2015، اضطر محمد إلى دفع 300 دولار حتى يمنح “فيزا ترانزيت” تمكنه من عبور الحدود. يقول محمد إن حظه كان جيدًا لأنه ذهب في بداية موسم البرد إذ كانت درجة الحرارة نحو الصفر مئوية، وأضاف في اتصال مع (جيرون) أنه اضطر إلى شراء دراجة بمبلغ 350 دولارًا لقطع مسافة لا تزيد عن 50 مترًا، لأن اجتياز الحدود الروسية-النرويجية، مشيًا على الأقدام، ممنوع.

أما السيدة ليلي -سورية من دمشق- فقد استقرت في النرويج بعدما غادرت روسيا، وتؤكد أنها لم تستطع الحصول على لجوء مؤقت على الرغم من محاولاتها الحثيثة، وأن مسؤولي الهجرة أخبروها، بعد انتظار عدة أشهر، أنه يمكنها العودة إلى سورية لأن الأوضاع مستقرة فيها. وذكرت أن وسطاء طلبوا منها مبالغ طائلة للحصول على لجوء مدة سنة واحدة؛ لكنها رفضت؛ لأن “الدفتر الأزرق” دفتر اللجوء هو مجرد إقامة تجنبك الشرطة، ولا يمنحك أي حقوق في العمل أو المساعدات، وذكرت ليلى لـ(جيرون) أنها دفعت نحو 300 دولار للحصول على فيزا طرد على جوازها السوري، وقصدت مدينة مورمانسك شمالي روسيا في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، ومنها استأجرت سيارة تاكسي بنحو ألف دولار لتعبر الحدود، لأنها لم تكن تقوى على المشي في درجة حرارة 20 تحت الصفر، ولا سيّما أنها كانت تعاني صعوبةً في الحمل.

أطفال من دون مدارس ومعسكرات اعتقال

وخصصت السلطات الروسية معسكرات، في ثلاث مناطق، لإقامة اللاجئين تضم نحو ألفي لاجئ، بينما لا تتجاوز قدرتها الاستيعابية الحقيقية 500 شخص. وهذه المعسكرات أشبه بالسجن منها بمكان اللجوء. ويسكن مئات السوريين في ضواحي موسكو في منطقة “ناغينسك”، حيث يملك بعض التجار السوريين مصانع ومشاغل للخياطة والأحذية. ويعاني هؤلاء من عدم وجود إقامة أو لجوء ما يضطرهم إلى العمل بأسعار زهيدة، والبقاء في منازلهم معظم الوقت خوفًا من ابتزاز رجال الشرطة.

ويُحرم معظم الأطفال السوريين من الدراسة؛ نظرًا إلى عدم حصول ذويهم على الإقامة وهي الشرط الأساس للتسجيل في مدارس موسكو، وفيما يستطيع الميسورون من السوريين تسجيل أطفالهم في المدارس العربية، فإن هاجس الخوف من إزعاج الشرطة وتوقيف الأطفال بذريعة عدم وجود إقامة تبقى هاجسًا مقلقًا. وبدأت السلطات الروسية في المناطق التشديد على مديري المدارس من أجل عدم تسجيل اللاجئين؛ وتزداد معاناة السوريين لعدم وجود منظمات أهلية وشعبية في روسيا لدعم اللاجئين أو الأطفال كما هو الحال في معظم بلدان العالم.

ولعل المفارقة تكمن في أن روسيا ترفض مدّ يد العون للاجئين السوريين، وترفض منحهم اللجوء الدائم أو المؤقت. فروسيا كانت -وما زالت- أكبر “المساهمين” في تدمير سورية وتشريد أهلها، وتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية بدءًا من تجريب أسلحتها وارتفاع مبيعاتها، مرورًا بالعقود الضخمة التي حصلت من النظام، وصولًا إلى تثبيت مكانتها قوةً عظمى، على حساب دماء السوريين، لكن السلطات الروسية “العمياء” تصرّ على النظر إلى مأساة اللاجئين السوريين من الغربال.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق