هموم ثقافية

ثقافة السؤال منقذنا الوحيد

ربما علينا الآن -الآن تحديدًا- أن نواجه أنفسنا قبل أن نواجه الآخرين بأسئلة هربنا منها جميعًا باختلاف مشاربنا المعرفية والثقافية، وباختلاف مرجعياتنا الفكرية والسياسية، ولكن علينا أن نواجهها باتفاق عمقنا الإنساني الذي يشكل الداعم الأهم والأبقى من كل ما أنتجته ثقافات وأيدولوجيات وحضارات العالم.

هذه الأسئلة التي لم نعد نستطيع الهروب منها بالقفز فوقها، وبالتهرب من إجابات صادمة، إجابات مرعبة قتلتنا جميعًا على أرض الواقع؛ إجابات جعلت فهم وبناء كل ما حاولنا طحينًا من غبار الدمار والانهزام.

إن الأسئلة التي لا بد الآن أن تحتل كل الصفحات الثقافية والمعرفية في إعلامنا المقروء والمسموع والمرئي، وفي فضاءات العالم الافتراضي الأزرق، علينا أن نناقشها بكل منطقية، وبكل توسع وشفافية، وعلينا حينها أن نسمع بعضنا بشكل حقيقي، هي هذه المجموعة من التساؤلات التي تواجهنا فيها هذه الهاوية العميقة التي تنتظرنا جميعًا أينما كنا:

“هل كان  يجب أن يسبق هذه الثورات السياسية العربية، أوعلى الأقل أن يواكبها، زلزال ثقافي فكري  يكسر -أيضًا- الأصنام والأفكار مسبقة الصنع، بكل أشكالها السياسية والدينية والاجتماعية؛ كما سبق وحصل في أوروبا قبل ثوراتها السياسية، أم أنه كان لا بد من هذه الثورات الآن، ولن تنتظر الشعوب المزيد من القمع السياسي والقهر الاقتصادي، ولن تستطيع القيام بثوراتها الفكرية طالما هي تحت تسلط الدكتاتوريات الحاكمة، من رؤساء جمهوريين، حولوا الحالة الديمقراطية والعلمانية التي أعقبت استقلال بلادهم إلى جحيم قمعي، لم يأكل فقط تلك السنوات، وإنما قتل إمكانات التطور اللازمة، وقتل الثقة بالمشروع العلماني كله، وأعاد المشروع الديني إلى الأذهان، بعد هذا الظلم الذي مورس، باسم الأحزاب التقدمية؛ ومن ملوك، كانوا -وما يزالون- يحكمون شعوبهم بقوة السلطة الدينية الموروثة المطلقة، وكانت لهم اليد الطولى في إفشال الثورات العربية، وفي تحويلها إلى ثورات باسم الدين، وذلك كي لا تثور عليهم شعوبهم يومًا؟

وهل كان ينقصنا زلزال يهزّ ويغيّر الأشكال والطرق التي قدمت بها التجربة الإبداعية المرافقة لهذه الثورات، كما حصل في أوروبا؟ هل كان على الثورة الفكرية والثقافية التي كان يجب أن تكون مرافقةً للثورات السياسية، منذ لحظة ولادتها، أن تحمي هذه الثورات من نفسها، ومن تحولات طبيعية كانت ستصيبها بسبب العنف الدكتاتوري المفرط؟ هل كان على النخب الثقافية أن تكون في مقدمة الثورات، بعكس ما حصل؟ وهل كان بإمكانها، لو وُجدت فعلًا، أن تحول دون التحوّلات الأصولية التي بدأت تظهر بقوة على الأرض؟ هل كان بإمكان هذه النخب لو أنها كانت -فعلًا- في مقدمة من شارك بهذه الثورات، أن تحول دون سرقتها من قبل عقول سوداء تجهض إجهاضًا كاملًا كل ملامح النهضة العربية، وتعيد منظومتها الفكرية عشرات السنوات من الزمن؟ أم أنّ تقاعس الغرب وكل القوى المؤثرة في العالم هو العامل الأهم في إجهاض هذه الثورات، وفي دعم وإنتاج كيانات فقاعية شديدة الرعب، وذلك لصناعة العدو الجديد الذي يضمن استمرار الحرب، واستمرار بيع السلاح؟ هل كان العالم، بقيادة أمريكا وبرعونة روسيا، هو العامل الأساس الذي لم يزل يخذل هذه الثورات ويستغلها لكسر ما تبقى من منظومة ثقافية نهضوية فيها، مستغلًا هذه التضحيات وهذه الملاحم، لفوائد تُقدَّم له على طبق من فضة ودم، محولًا إياها إلى حالة فوضى، تعيد بدورها تدمير البنية المعرفية والتعايشية والإرث الحضاري، وتخدم بشكل مدهش المشروع الصهيوني الكبير؟”.

عند قدرتنا على الإجابة والنقاش، وبخاصةً بعد قيام الثورة، كحالة لا تعود إلى الوراء، وكحالة ثورية بحد ذاتها صنعت، على الرغم من كل هذا الانهزام والخذلان، ثقافةً ثوريةً جديدةً، وتجربةً ثوريةً لم يكن الإنسان العربي المعاصر الخائف يعرفها. سنحدد حجم مسؤولياتنا التي عملنا لأجلها، والأهم تلك التي لم نقم بها، وسنستطيع أن نبدأ معًا، على الرغم من اختلافاتنا الفكرية، بمحاولة حقيقية لمواجهة القادم المخيف، ولإعادة بناء أولوياتنا، وتحديد آليات حقيقية لمحاولة تعمير أرواحنا بما نمتلك من مرجعياتنا الإنسانية والحضارية الغنية، وتعمير ثقافة جديدة بإعادة إحياء الثقافة الأهم؛ ثقافة السؤال، الثقافة الوحيدة التي قد تنقذنا.

مقالات ذات صلة

إغلاق