أدب وفنون

المجلّوع

قيل إنه ولد في أعوام الجوع أو على حوافها، أو في مناخاتها أو عبر نسغها المنقول وراثيًا.. أو بالفطرة، أو الاكتساب.

لكن المهم أن المجلوع اشتهر بنهم خارق في كل مجال؛ في الأكل واللبس، والظهور، والبروَظة، واحتلال الكراسي، وصفّها بالطول والعرض، ثم حجزها؛ انطلاقًا من تقديره أن كرسيًا مهما كان عريضًا وعاليًا، لا يتسع لقاعدته من جهة، ولا النظرة لقامته الفارعة التي يجب أن تبقى مميزة عن الجميع، من جهة أخرى.

– كان أكولًا بطريقة فاحشة، ولو سُئل عن السبب لطرقك محاضرة عن الجوع والجياع وانتمائه المبكر -التاريخي- لهم، وتحسس قضاياهم، ومعايشتهم، فيما يجوعون ويأكلون.. لذلك لا فرق عنده في نوع الأكل؛ المهم وجوده وبكميات كبيرة، وإن لم يوجد، نهش أي لحم متوفر، أو تحول إلى حشائشي، أو أي شيء.. مرددًا على الدوام: هو تعويض التاريخ.. ثم يتحوّل منه إلى تعويض الكبت والقمع والحجر والسجن -سجن الأفكار- وكيف يجب الردّ السريع والشامل، والفوري .. لتلقينهم (الأعداء) درسًا في الفعل وردّ الفعل، وفي “خالوطة” من التركيبات والأفكار التي لا يمكن لمنجّم أن يحلها.

– المجلوع .. ليس شعبيًا مع الجياع فقط، بالولادة، والمشاعر، والعشق، وعند اللزوم، بل يعدّ نفسه المنظّر الأكبر: فارس الكلمات والأفكار للجياع في العالم، وقدر الأمة المرسل لإنقاذها. ولذلك فشهيته المفتوحة في جميع المجالات ليست حالة طارئة، أو “لزقة” كما يقول، بل هي الانبثاق الممنهج لدور يجب أن يقوم به، وهي الأمانة الثقيلة التي يحملها وعليه تبليغها وإيصالها للجميع.

– الدور الذي يجب أن يقوم به تعددت أشكاله وألوانه؛ وفق الظروف والمعطيات.

وعلى ذكر الظروف والمعطيات، يرى المجلّوع نفسَه واقعيًا جدًا، يفهم ويتفهم المعادلات، وموازين القوى، وكيف تُنهش الأكتاف، وكيف تجد الثقوب للتسرب منها، وكيف يجب أن تستغل الفرص فتستخدمها لتحقيق أفكارك، وكيف يجب أن تنهش عند اللزوم، وأن تُظهر أنيابك في الوقت المناسب، أو تكون نعامة، أو أرنبًا، أو حشرة، أو ذلك النوع من “الفسفس” الذي يلعق الدم، أو “حضاريًا” –جدًا- إن لزم الأمر، والهدف..

– المجلّوع يجد ضالته هذه الأيام؛ فالأكل وفير، والثورة فتحت كل المجالات وأطلقت العنان لخزين العقود.. فالموائد عامرة، والفنادق مفتوحة الأبواب لأنواع شتى من الأكل والتنظير.. وإعلان النفير.. وها هو يفتخر بأنه صار كالنار على سفود الشواء، وأن الكثير يلهج بأفكاره التي تحملها الريح في أرجاء الأرض الأربع! وما زال يعلّم الكثيرين من الأتباع، طرقَ النهش الأسرع، والأمهر، وتراه الآن وقد باتت له شعبية كبيرة “يتمنفخ” بها! بينما يتراكض خلفه عدد من الأتباع والانتهازيين، وحتى الفتيان الصغار المبهورين بقدراته الفائقة على النهش، وجمع اللحم الحي، من دون برادات.

مقالات ذات صلة

إغلاق