قضايا المجتمع

زواج القاصرات والزواج القسري بين النازحين واللاجئين السوريين

يواجه السوريون يوميًا أشكالًا من العنف، تمتلئ بها تقارير الأمم المتحدة عن تزويج الأطفال والزواج المبكر والزواج القسري والاعتداءات الجنسية، وغيرها من المضايقات التي يعاني منها الأطفال السوريون، وخاصة بين اللاجئين والنازحين في سورية والدول المضيفة للاجئين.

بدأت هذه الظاهرة في مخيم الزعتري للاجئين في الأردن، حيث دفع اللجوء وخاصة في بداية “الأزمة” في 2011 عددًا من العائلات السورية اللاجئة في الأردن، إلى البحث عن أساليب للبقاء، مثل “بيع” بناتها القاصرات لأثرياء تحت مسمى الزواج والسترة، وإبعادهن عن حياة المخيم (الزعتري 58 كلم شمال شرق عمّان). ويتولّى سماسرة الزواج المنتشرون داخل المخيم اختيارَ الفتيات الأجمل والأصغر لأثرياء معظمهم متزوّج أو متقدّم في السن. وسلاح هؤلاء السماسرة هو الدولار وحاجة الأسر اللاجئة له؛ لتوفير سبل العيش، ولإبعادهن عن أخطار اللجوء وتشعباته. وفق اعتقادهم.

وقد حذرت المنظمات الدولية في الأردن، من عمليات “الزواج المؤقت” التي تُرتّب للفتيات السوريات من الأثرياء القادمين من الخليج العربي، مستغلين حاجة الأُسر الفقيرة إلى المال. وقامت بالعديد من البرامج لدعم الأسر ماديًا ومعنويًا وتوفير الحماية للفتيات، إلا أن هذه الظاهرة، على الرغم من الجهد المبذول، ما زالت في ازدياد إلى يومنا هذا، إذ بلغت نسبة “الزواج المبكر بين اللاجئات السوريات في العام الحالي 35 في المئة، من إجمالي زواج السوريين في الأردن”، وفقًا لمدير مديرية الإصلاح والتوفيق الأسري في دائرة قاضي القضاة؛ حيث أكد القاضي، خلال جلسة لأعمال المؤتمر الإقليمي لتعزيز نظم الحماية الوطنية في حالة اللجوء، أن “مشكلة عدم توثيق الزواج في السابق كانت تشكل عائقًا حقيقيًا أمام معرفة نسب زواج القاصرات السوريات في الأردن، كون نسبة من العائلات لم تكن تلجأ للتوثيق سابقًا”. ولفت إلى مجموعة عوامل كانت تدفع السوريين إلى عدم توثيق عقود الزواج، أبرزها “اختلاف الأعراف والعادات بين اللاجئين والمواطنين في هذه القضية، فضلًا عن أن اللاجئين يرون أن الحالة التي يمرون بها مؤقتة، ويمكن تصويب الأوضاع لاحقًا في بلادهم بعد العودة”.

وفي لبنان، بدأت هذه الظاهرة بالانتشار انتشارًا خطيرًا، حيث ترافق تزويج الأطفال بالاتجار بالبشر وكافة أشكال الاستغلال؛ فلا تزال أصداء فضيحة “شبكة الاتجار بالبشر والدعارة” تتردد في لبنان، بعد إلقاء القبض على “الرؤوس” المشغلة لتلك الشبكة التي ضمت “بقوة الترهيب” أكثر من 70 فتاة، معظمهن سوريات. تقول إحدى الفتيات القاصرات، عند التحقيق معها: “الفتاة السورية أضحت اليوم سلعةً يتبادلها أصحاب المصالح، لتأمين مكسب مادي معين”. وقد كشف معهد العلوم السياسية في جامعة القديس يوسف عام 2015 عن واقع الزيجات في المخيمات السورية العشوائية -غير النظامية- في لبنان، حيث تراوح نسبة اللاجئات السوريات المتزوجات في سن الـ 12 عامًا بين 15 – 18 في المئة، من العدد الإجمالي للقاصرات. وأن الدراسة رصدت أن 19 في المئة من الزيجات المبكرة للفتيات كانت في عُمر أقل من 18 عامًا. ووجدت الدراسة أن نسبة تعرض القاصرات اللواتي تزوجن، في سن مبكر، إلى العنف الزوجي هو أعلى من حالات الزواج العادية.

أما في سورية، فقد كشفت إحصاءات قضائية في عام 2016 عن وجود نسبة كبيرة من معاملات الزواج لقاصرات، أقدمن على الزواج عرفيًا، حيث يتجاوز عدد معاملات تثبيت الزواج للقاصرات اللواتي تزوجن خارج المحكمة الشرعية في دمشق 100 حالة يوميًا. كما أكدت إحصاءات قضائية أن عدد معاملات زواج القاصرات يقارب 200 معاملة يوميًا في جميع المحافظات السورية. وذكرت تصريحات قضائية رسمية أن هناك كثيرًا من الآباء يلجؤون إلى تزويج بناتهم عرفيًا، أي خارج المحكمة، في حال رفض القاضي الشرعي المعاملة، وبعد أن تحمل الفتاة تتقدم بدعوى تثبيت الزواج.

وقارنت المنظمة الدولية “قرى الأطفال” (SOS) أعداد حالات الزواج دون السن القانونية قبل وبعد الحرب في سورية، وخلصت إلى أن عددها قبل الحرب كان 13 بالمئة، لكنها الآن وصلت إلى أكثر من 50 بالمئة. ورجحت أن العديد من الحالات تمت عند النازحين السوريين في سورية وفي داخل مخيمات اللاجئين النظامية في الأردن وتركيا أو غير النظامية في لبنان.

تزويج الأطفال، زواج القاصرات والزواج القسري

يعني “تزويج الأطفال” أو “زواج القاصرات” الزواج الذي يكون فيه أحد الطرفين على الأقل طفلًا. ووفقًا لاتفاقية حقوق الطفل، فإن الطفل هو “كلّ إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة، ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه”. وفي أغلب الأحيان، يستخدم “الزواج المبكر” بمعنى “زواج الأطفال أو زواج القاصرات” نفسه. أما الزواج القسري فهو أي زواج يحدث من دون موافقة أحد الطرفين أو الطرفين معًا موافقة تامة وحرة و/ أو حين لا تكون لدى أحد الطرفين أو الطرفين معًا القدرة على إنهاء الزواج أو الانفصال، لأسباب منها الإكراه أو الضغط الاجتماعي أو الأسري الشديد.

هناك نحو 700 مليون طفل، يُرغمون على الزواج القسري في جميع أنحاء العالم. نحو 250 مليون من أصل 700 مليون، تقل أعمارهم عن 15 عامًا. ويلعب الفقر دورًا رئيسًا في ذلك. ويعد التعليم من بين العوامل الرئيسة لهذه الظاهرة. فكلما كانت نسبة التعليم أقل، ارتفع احتمال تزويج الفتاة قبل سن الثامنة عشر.

الإطار القانوني والدولي

تكفل المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان حقّ جميع الأفراد في عقد الزواج بموافقة كلا الطرفين موافقة حرة وتامة. وينص على هذا الحق العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في الفقرة 3 من المادة 23 منه، وكذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الفقرة 1 من المادة 10 منه. وتنص اتفاقية الرضا بالزواج، والحد الأدنى لسن الزواج، وتسجيل عقود الزواج في المادة 1 منها، على وجوب أن يعرب الطرفان شخصيًا عن هذه الموافقة بحضور سلطة مختصة.

وأشارت لجنة حقوق الطفل إلى أنه ينبغي اعتبار عدد من أحكام اتفاقية حقوق الطفل أحكامًا تنطبق على مسألة تزويج الأطفال، بما في ذلك الفقرة 3 من المادة 24، التي تنص على أنه ينبغي للدول الأطراف أن “تتخذ جميع التدابير الفعالة والملائمة بغية إلغاء الممارسات التقليدية التي تضر بصحة الأطفال”. وعرَّفت اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة ولجنة مناهضة التعذيب أيضًا، تزويجَ الأطفال بأنه ممارسة ضارة تؤدي إلى إلحاق الضرر البدني أو العقلي أو الجنسي أو المعاناة، والتهديد بهذه الأفعال، وما يترتب عن ذلك من العواقب القصيرة والطويلة الأمد، وتؤثر سلبًا في قدرة الضحايا على التمتع بكامل حقوقهم. وأوضحت المقررة الخاصة المعنية بمسألة بيع الأطفال واستغلالهم في البغاء والمواد الإباحية، بأنه يمكن وصف تزويج الأطفال ببيعٍ للأطفال لأغراض الاستغلال الجنسي، مما ينتهك البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن بيع الأطفال واستغلال الأطفال في البغاء وفي المواد الإباحية والمادة 35 من اتفاقية حقوق الطفل.

أما بخصوص الزواج القسري، تُلزِم الاتفاقية التكميلية لإبطال الرق وتجارة الرقيق والأعراف والممارسات الشبيهة بالرق (الاتفاقية التكميلية) الدول بأن تتخذ جميع “التدابير التشريعية وغير التشريعية القابلة للتنفيذ العملي والضرورية” لإبطال أو هجر الأعراف والممارسات المختلفة التي ترقى إلى حد الزواج القسري، ومنها مثلًا الوعد بتزويج امرأة أو تزويجها، من دون أن تملك حق الرفض، بعد دفع مال لوالديها أو للأوصياء عليها أو لأسرتها أو لشخص آخر أو لمجموعة أشخاص آخرين؛ وحق زوج أو أسرته أو قبيلته في التنازل عن زوجته لشخص آخر لقاء ثمن أو لأي سبب آخر؛ وجعل امرأة، عند وفاة زوجها، إرثًا ينتقل إلى شخص آخر. ومثلما يبيَّن في الفصل الخامس، قد يصل الزواج القسري في ظروف معينة إلى حد الرق أو الممارسات الشبيهة بالرق.

العوامل التي تساهم في ممارسة تزويج الأطفال والزواج القسري

إن الفقر وانعدام الأمن من أسباب تزويج الأطفال والزواج القسري. وقد يكون لتزويج الأطفال مزايا اقتصادية، ويمكن أن توافق الأسرُ على زواج موقت لبناتهن مقابل مكسب مالي، وهو ما يعرف أيضًا باسم “الزواج التعاقدي”. وقد يشجع أهالي اللاجئات على تزويج بناتهن من رعايا الدول المضيفة للاجئين أو الدول الخليجية بغية الأمن المالي، وهذه ممارسة تزيد من فرص الاتجار بالنساء.

يمثل الزواج القسري لعائلات لاجئة كثيرة غطاءً لكثيرٍ من التجاوزات، إلا أنه لا يمثل بر الأمان للفتاة؛ إذ تتعرض العديد من السوريات اللواتي زُوّجن قسرًا إلى العنف اللفظي والجسدي من قِبل أزواجهن، ولا تجد أي منهن وسيلة للشكوى أو رفع دعوى قضائية، حيث تكاد تنعدم القوانين التي تنصف السوريات في البلاد التي تستقبل اللاجئين.

ولفت عدد من العاملين في المنظمات غير الحكومية إلى أن بعض الأهالي يعتقدون بأن تزويج القاصرات أفضل من التواجد داخل المخيمات، إذ يحصلن في النهاية على خصوصية ولا يتعرضن للعنف والاعتداء الجسدي الذي تتعرض له الفتيات في المخيمات.

آثار ممارسة تزويج الأطفال والزواج القسري

تؤكد تقارير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان الخاصة بـ “منع ممارسة تزويج الأطفال والزواج المبكر والزواج القسري والقضاء على هذه الممارسة” أنه “غالبا ما تتعرض الفتيات والشابات للعنف البدني والنفسي والاقتصادي والجنسي. وقد تعاني النساء والفتيات في حالات تزويج الأطفال والزواج القسري ظروفًا زوجية تنطبق عليها “التعاريف القانونية الدولية للرق والممارسات الشبيهة بالرق” بما فيها الزواج الاستعبادي، والاسترقاق الجنسي، واسترقاق الأطفال، والاتجار بالأطفال، والسّخرة، و”يبدو أن نسبة كبيرة على الأرجح من حالات تزويج الأطفال تشكل أسوأ أشكال عمل الأطفال -حسب التعريف الوارد في اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 182 لعام 1999″- كما تقترن ممارسة تزويج الأطفال والزواج القسري بمجموعة من النتائج الصحية والاجتماعية السيئة وغيرها من النتائج السلبية. وعلى وجه التحديد، من الشائع في حالات تزويج الأطفال حدوث الحمل المبكر والمتكرر والإرغام على إبقاء الحمل. وهذه أمور ترتبط ارتباطًا وثيقًا بارتفاع معدلات وفيات الأمهات والرضّع. وهناك إقرار أيضًا بأن تزويج الأطفال والحمل المبكر هما عقبتان أساسيتان تحولان دون ضمان فرص التعليم والعمل وغيرها من الفرص الاقتصادية للفتيات. وغالبًا ما تُمنَع الفتيات عن الذهاب إلى المدرسة، عندما يتزوجن أو قد يُطردن من المدرسة عندما يصبحن حوامل ويُعاملن كنساء بالغات بغض النظر عن أعمارهن. وقد أظهرت الأبحاث التي أجرتها المنظمات الدولية أن 84.2 في المائة، من الفتيات اللواتي تزوجن، صرحن بأنه لم يعد لديهن الوقت للتمتع بالتعليم بسبب مسؤولياتهن الجديدة كفتيات متزوجات”.

إن زواج الفتيات القاصرات يفتح الباب أمام تعرضهن للعنف الجنسي والمنزلي، وهو ما يمكن أن يتسبب في صدمة نفسية؛ فالفتيات عندما يتزوجن يصرن في الغالب أكثر اعتمادًا واتكالًا على الزوج. وحرمانهن من الاستمتاع بطفولتهن يحرمهن من الحق في التعليم والتطور الطبيعي، وغيرها من الأمور الطبيعية في فترة الطفولة.

وفي كثير من الأحيان، ليس لدى القاصرات فكرة عن معنى هذا الزواج، وربما لا يبدو لهن سوى الحفلة الجميلة والفستان الجميل للعرس؛ ولهذا السبب نقول: يجب على الفتاة أن تصل إلى سن الثامنة عشر من العمر وتكون لديها المسؤولية الكاملة لتقول “نعم”؛ لهذا نحن لا نتكلم على الزواج القسري، مع العلم أن حالات الزواج المبكر يمكن أن تكون زواجًا قسريًا.

أكد “صندوق الأمم المتحدة للسكان”، في مشروع له في الأردن ولبنان للتعاون مع العائلات السورية وتوعيتهم ضد خطر زواج القاصرات اجتماعيًا، أن العائلات السورية توافق على زواج ابنتهم القاصرة من أجل الأمان، إذا لم تتزوج الفتاة ستظل هدفًا يحاول الراغبون في الزواج من قاصرة الوصول إليه بوسائل شتى، لذا تقع الأم تحت ضغط الأقارب ومطالبتهم لها بتزويج ابنتها، وتحت خطر أن تتعرض ابنتها للتحرش أو غيره من المضايقات الجنسية أو الخطف إذا لم تتزوج.

التدابير والاستراتيجيات الرامية إلى منع ممارسة تزويج الأطفال والزواج القسري والقضاء عليها

  • متابعة تنفيذ التشريعات والقوانين الخاصة بمنع تزويج الأطفال والزواج المبكر والزواج القسري وتطبيق قوانين الدول المستضيفة للاجئين السوريين بمنع الزواج المبكر.
  • تعزيز التنسيق على الصعيد الوطني بين الهيئات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني ووكالات الأمم المتحدة والشركاء الإنمائيين، وعن وضع خطط عمل متعددة التخصصات وخاصة في أماكن تواجد اللاجئين السوريين.
  • تعليم الفتيات والنساء وتمكينهن من خلال مجموعة أمور، منها التعليم وإمكان الوصول إلى الموارد باعتبارهما أفضل التدابير لمنع تزويج الأطفال وإعمال حقوق النساء والفتيات الإنسانية على نحو كامل. وتشمل المبادرات تقديم الدعم المالي المباشر للأسر والأوصياء من أجل تشجيع الفتيات على مواصلة تعليمهن؛ وبذل جهدٍ من أجل زيادة معدل التحاق الفتيات بالمدارس وبقائهن فيها، ووضع برامج توفر التعليم غير النظامي والتدريب المهني وتطوير المهارات اللازمة لكسب العيش وتعليم مهارات الحياة.
  • حملات التوعية لإنهاء ممارسة تزويج الأطفال وتقديم معلومات عن الزواج القسري وزواج الأطفال وعدم شرعيته وتصوير آثاره الضارة. ومعالجة القبول الثقافي والاجتماعي الواسع النطاق لممارسة تزويج الأطفال، والزواج القسري، بوسائل منها إذكاء الوعي بما يترتب على هذه الممارسة من ضرر للضحايا وتكلفة للمجتمع بأسره، ومن خلال توفير منابر وفرص للنقاش داخل المجتمعات المحلية والأسر بشأن فوائد تأخير الزواج، وضمان حصول الفتيات على التعليم.
  • اتخاذ تدابير مناسبة من أجل سلامة ضحايا ممارسة تزويج الأطفال والزواج المبكر والزواج القسري وحمايتهم، مثل توفير مآوٍ مؤقتة مصممة بشكل محدد وإتاحة خدمات خاصة في مآوٍ ضحايا العنف.
  • بناء قدرات وتدريب الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون وموظفي الإدارة المحلية وإدارة مخيمات اللاجئين حول أساليب التوعية والحماية لمجتمعات اللاجئين حول تزويج الأطفال وزواج القاصرات.
الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق