قضايا المجتمع

حصار طبي يهدد آلاف الأطفال في الغوطة الشرقية

يعاني القطاع الطبي في الغوطة الشرقية من نواقص كثيرة، سواء على مستوى الأجهزة أو على صعيد الأدوية؛ ما يهدد حياة الآلاف داخل الغوطة المحاصرة، بفعل حصار وقصف قوات النظام ومن يساندها للمنطقة، منذ نحو أربع سنوات واستهدافها المتعمد للنقاط والكوادر الطبية. ولا تشكل القافلة الإغاثية المتواضعة التي دخلت الغوطة أخيرًا حلًا جذريًا لتلك المعضلة، فنوعية الأدوية لا تغطي جميع الأمراض، ومن حيث الكمية لن تكفي أكثر من شهر.

وقال الطبيب سيف خبية لـ (جيرون) إن: ” القطاع الطبي في الغوطة يعاني نقصًا في كل شيء، الدواء والمستهلكات الجراحية بفعل الحصار وإغلاق الطرق، والدعم الخجول من المنظمات ذات الصلة، وعلى رأسها الأمم المتحدة، النواقص تبدأ من قطعة الشاش وحبة “البانادول” وتنتهي بمواد التخدير والخيوط الجراحية”.

وأضاف أن “الوضع الطبي سيء جدًّا، بعد أكثر من 5 سنوات على الحصار والقصف. نعاني من قلة الكوادر المتخصصة، أغلب المشافي في الغوطة مدمرة بسبب القصف، وأقسامها مبعثرة في أقبيةٍ تفتقر إلى أبسط مقومات البنية التحتية لاستخدامها نقاطًا طبية أو مشافي. يعتمد العمل الطبي الآن على المنظمات الداعمة، بعض تلك المنظمات أوقف الدعم؛ ما أدى إلى توقف عدة أقسام عن العمل، كما أن مكافآت الكوادر غالبًا ما تأتي متأخرة 5 أشهر؛ ما يزيد من معاناة الكادر الطبي”.

وأوضح خبية “في الغوطة الشرقية نحو 50 مركزًا طبيًا ومشفى ومستوصف، تقدم خدماتها لما يقارب 400 ألف نسمة، حيث يسجل شهريًا نحو 100 ألف استشارة طبية، و15 ألف عمل جراحي، ابتداءً من الجرح البسيط والضماد، وانتهاءً بالعمليات الجراحية الكبرى. طبعًا 95 في المئة من الأمراض والإصابات تُعالج في الغوطة، والباقي يجب أن يخرج للعلاج خارج الغوطة مثل مرضى السرطان والقلب وبعض الأمراض المزمنة والخلقية، لعدم إمكان علاجهم داخل المنطقة، وفي الوقت نفسه لا يوجد أي طريق لإخراجهم والحصول على العلاج المناسب وخاصة بعد إغلاق الأنفاق”.

على سبيل المثال، يقول خبية، أن هناك 160 مريضًا بقصور كلوي، منهم 38 مريضًا بحاجة إلى غسيل كلية، حاليًا نحن بحاجة إلى إدخال المواد اللازمة التي تمكن من إجراء غسيل الكلية، بشكل منتظم، إضافةً إلى تحديث أجهزة الغسيل، وإدخال أدوية مرضى القصور الكلوي مثل “الأريتوربيوتين”، وهناك مرضى السكري وعددهم نحو 1000 مريض وهم بحاجة إلى أنسولين، وتوفيره غير ممكن الآن إلا عن طريق منظمة الصحة العالمية، وكذلك مرضى الضغط وقصور القلب ونقص التروية، كثير من الأدوية الخاصة بمرضى القلب مفقود وباهظ الثمن”.

وبشأن الأجهزة التي تحتاجها المراكز الطبية داخل الغوطة الشرقية، أوضح خبية “أن الغوطة الشرقية بحاجة إلى أجهزة تنفس آلي للكبار والأطفال، بخاصة في أقسام العناية المشددة، أجهزة إنعاش مثل الصادم الكهربائي، أجهزة ضاغطة للأوكسجين، جهاز تفتيت حصيّات، جهاز أشعة قوسي لعمليات الجراحة العظمية، وجهاز أشعة عادي، وأدوات جراحية، وأجهزة وأدوية تخدير مستهلكات جراحية مثل الخيوط بكافة أنواعها”.

أدى واقع القطاع الطبي داخل الغوطة الشرقية إلى انتشار بعض الأمراض التي انتهت سورية منها منذ عقود، وهو ما يزيد من معاناة مَن تبقى من الأهالي داخل المنطقة، وهنا قال خبية: “لعل أهم هذه الأمراض السل، وقد بلغ عدد المصابين به نحو 250 مريضًا موثقين بالاسم، منهم 48 مريضًا قيد العلاج، وحاليًا لا توجد أدوية للسل، ولدينا 10 مرضى لم يتلقوا أي علاج حتى الآن، أيضًا هناك مرض الحصبة، وسُجل حتى الآن نحو 1000 إصابة، بمعدل 15 طفلًا يوميًا، 80 في المئة من المصابين بهذه الإصابات لم يتلقوا اللقاحات الخاصة بالحصبة، ويعد هذا السبب من أهم أسباب الإصابة بهذا المرض”

أكد العديد من العاملين في الحقل الطبي أن حليب الأطفال فُقد تمامًا في الغوطة الشرقية مؤخرًا، بفعل الحصار المطبق، وفي حال تواجده يكون بأسعار مرتفعة، وليس باستطاعة العوائل داخل المنطقة شراءه، وهو ما يهدد حياة مئات الأطفال. المخاطر المحدقة بأطفال الغوطة لا تتعلق فقط بفقدان مادة الحليب، حيث يوجد عشرات آلاف الأطفال حتى سن 3 سنوات، بحاجة إلى لقاحات دورية، وفي كثير من الأحيان لا تتوفر هذه اللقاحات بفعل الواقع الميداني، ويتوقف دخولها على سماح قوات النظام بدخول قوافل الإغاثة إلى الغوطة، وما سُمح بإدخاله أخيرًا لا يكفي جميع الأطفال.

في هذا الجانب أوضح خبية “يبلغ عدد الأطفال في الغوطة نحو 33500 طفل حتى عمر 3 سنوات، ووسطي معدل الولادات شهريًا 1000 مولود، هؤلاء الأطفال بحاجة إلى لقاحات روتينية منذ الولادة حتى عمر السنة ونصف، إلا أن واقع الحال يقول إن نحو 8000 طفل متسربين من اللقاح، بسبب عدم إدخال اللقاحات بشكل منتظم إضافة إلى قلة الكميات التي تدخل، إذ إننا لا نتمكن من تغطية كافة الأطفال، أيضًا هناك حاجة إلى اللقاحات الخاصة بالأطفال في المرحلة الابتدائية، ولقاحات ضد مرض التهاب الكبد، وأخرى ضد داء الكلب”.

تقاعس المنظمات الدولية سببه سياسي

أوضح خبية أن “هناك تقاعسًا أمميًا واضحًا في إغاثة الشعب السوري، وعدم تحييد هذا الملف، ونحن على تواصل دائم مع منظمة الصحة العالمية واليونسيف، ونضعهم بصورة الوضع دائمًا، إلا أنهم لا يستطيعون فعل الكثير، بسبب إجراءات النظام إذ إنه غالبًا ما يعرقل دخول الوفود والقوافل الطبية والإغاثية، ولذلك نحن نطالب دائمًا بأن تضغط المنظمات الدولية على النظام وحلفائه لتحييد المشافي عن القصف، لأن عملها إنساني وبعيد عن أي توجه سياسي، وكذلك طالبنا ونطالب بدخول كوادر طبية إلى المشافي الميدانية من منظمة الصحة العالمية والهلال والصليب الأحمر، وهنا لا بدّ من التشديد على أن إدخال المساعدات لا ينبغي ربطه بالأمور العسكرية والسياسية، وهذا فيه فائدة لسورية بوصفها وطنًا من دون النظر إلى الجهة التي تسيطر على هذه المنطقة أو تلك، فالحواجز العسكرية قد تمنع دخول اللقاحات والمساعدات، لكنها لن تمنع من تفشي الأمراض خلفها”.

ولا يختلف وضع الأحياء الشرقية العاصمة عن الغوطة الشرقية، حيث تعاني تلك الأحياء من نقص كبير في كافة الأدوية والمستلزمات الطبية، ودمرت الحملة العسكرية للنظام وحلفائه، وهي متواصلة منذ أكثر من ثلاثة أشهر، معظمَ النقاط الطبية؛ ما يهدد حياة عشرات الآلاف من المدنيين، أمام أعين المجتمع الدولي ومنظماته الإنسانية.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق