ترجمات

نيو يورك تايمز: أصداء الصراع الاستعماري في الجزائر تُدوّي في السياسة الفرنسية

أصداء الصراع الاستعماري في الجزائر تُدوّي في السياسة الفرنسية

المرشح الرئاسي الفرنسي إيمانويل ماكرون (على اليمين) في أثناء زيارة له، في شباط/ فبراير الماضي، إلى مقبرة “بولوغين” في الجزائر التي حكمتها فرنسا مدة 130 عامًا. أنيس بيلغول/ أسوشيتد برس

عند السؤال عن الانتخابات الرئاسية لهذا العام، غالبًا ما يُجري المؤرخون مقارنةً قد تبدو غريبةً في البداية، وكما قالوا: إنَّ الحرب التي خاضتها فرنسا، في الجزائر، أشعلت المجتمع الفرنسي، وفتحت أزمات الهوية والتكامل التي ما تزال توجه السياسة، مثلما الحرب الأهلية التي تندلع في إطار السياسة العرقية والإقليمية التي ما تزال تهدد الولايات المتحدة.

وقال بنيامين ستورا -أحد كبار المؤرخين في النزاع- في مقابلةٍ، أجراها مؤخرًا من منزله في باريس “إنّ الحرب الجزائرية كانت حربًا أهلية فرنسية.”

في الجزائر، حاربت مجموعات الاستقلال، لإنهاء 130 عامًا من الحكم الفرنسي، وداخل فرنسا، كما قال السيد ستورا: إنَّ الحرب كانت صراعًا أيديولوجيًا حول “مفهومين للأمة”: الأول رأى فرنسا إمبراطورية، والجزائر قلبًا لعظمتها، والآخر رفض الاستعمار البتة.

كما أصبحت الحرب صراعًا حول إمكان توسع الهوية الفرنسية لتشمل غالبية الجزائريين المسلمين.

عندما انسحبت فرنسا مهزومة في 1962، هدأت البنادق، ولكن تلك التوترات المتعلقة بالهوية فحسب ازدادت حدةً في فرنسا، إذ عانى المستوطنون كثيرًا، جنبًا إلى جنب مع أنصارهم في فرنسا، من خسارة الجزائر؛ لأن الكثيرين ما زالوا يتحدثون عن استعادة مجد فرنسا المفقود، في كثير من الأحيان، بينما يفسرون سبب تأييدهم لمرشح الرئاسة اليميني المتطرف.

لا تزال الأسئلة حول الهوية الفرنسية التي فتحتها الحرب سببًا لتنافس الفرنسيين ضد بعضهم البعض.

وقال السيد ستورا: إنَّ سياسة الحنين والمظالم موازية تمامًا للجنوب الأميركي، ووصفها بأنها “النزعة الجنوبية للفرنسيين.”

ولهذا التوازي حدود، لكنه يسلط الضوء على السؤال الآتي: كيف أنَّ النزاعات حول تركة الحرب الجزائرية، وهي غالبًا ما تكون مؤلمةً جدًا ويصعب التصدي لها مباشرة، تثير الصدى في الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستنتهي في الجولة الثانية من الانتخابات، يوم الأحد 7 أيار/ مايو.

إنها الجزائر، كانت هي المشكلة

فرَّ ما يقرب من مليون مستوطن، يُعرفون باسم أصحاب الأقدام السوداء، من الجزائر بعد الحرب. ووصل العديد منهم إلى المدن الجنوبية، حيث تحظى جبهة السيدة ماري لوبان الوطنية اليمينية المتطرفة، اليوم، بدعمٍ قوي، وتتعامل بحنان مع النصب التذكارية لشواهد الموتى في الأراضي المفقودة. وقد طُلب من المدارس في فرنسا –قانونيًّا- لفترة وجيزة، أنْ تعلِّم فوائد الاستعمار الفرنسي، على الرغم من أنَّ القانون أُلغي في 2006، بعد أقل من عامٍ من سنّه.

في حديث مع الناخبين في المنطقة، بين السيد ستورا أن الأسئلة حول مواضيع متباينة مثل السياسة الحالية والهجرة والقيم الجمهورية الفرنسية، والكفاح ضد معاداة السامية، والدعم المتزايد للجبهة الوطنية، كلها تعود إلى الجزائر.

كريستوف تيلييه، سباكٌ في بلدة فريجوس، عندما سُئل عن الهجرة، أثار موضوع المقاتلين الجزائريين المعروف، وهم الجزائريون الذين قاتلوا جنبًا إلى جنب مع الجيش الفرنسي خلال الحرب، والذين هاجروا إلى فرنسا بعد ذلك.

وقال السيد تيلييه: “كانت الجزائر هي المشكلة. “والآن أطفال هؤلاء المقاتلين، هم مشكلة.” وأضاف: “هؤلاء المهاجرون، آملُ ألا يكونوا قد حصلوا على كل هذه المزايا التي لهم الحق الآن في أن يحصلوا عليها. آمل أن يُنقلوا بعيدًا.”

وكما هو الحال في الجنوب الأمريكي، فإنَّ ذاكرة الهزيمة قد تشوشت بعواقبها الاجتماعية الحالية، حيث فقد المواطنون الفرنسيون وضعهم المتفوق على مواطنين مسلمين وعرب، وهو انتقالٌ يؤثر اليوم في النقاش حول الهجرة، والتعامل مع المجتمعات الإسلامية في فرنسا.

وقال السيد ستورا: إنَّ الجزائر أصبحت وسيلةً للتعبير عن “الحنين إلى حقبةٍ مفقودة، إلى عصرٍ كان فيه التسلسل الهرمي قائمًا على أساس العرق.”

قارن تيرنس بيترسون -مؤرخٌ في جامعة فلوريدا الدولية- النقاشات حول الجزائر مع النقاشات حول علم الكونفدرالية في الولايات المتحدة، وقال: “التاريخ هو وسيلةٌ للحديث عن علاقة فرنسا مع أقلياتها، مثل العلم الكونفدرالي، فهو يعني أشياءً مختلفة جدًا لأشخاص مختلفين.”

وبالنسبة لأولئك الذين يعدّون الهجرة، أو الاتحاد الأوروبي، تهديدًا بالاعتداء على الهوية الفرنسية، فإن الجزائر توّفر ذاكرة عصرٍ كانت فيه فرنسا عظيمة، وطريقة للمحاجة ضد المساس بهذه العظمة مرة أخرى، سواء بالارتباط إلى الاتحاد الأوروبي، أو بتوسيع الهوية الفرنسية لقبول الوافدين الجدد.

لقد لعبت السيدة لوبان، بمهارةٍ، على ذلك الحنين، حين قالت: إنَّ الاستعمار “جلب الكثير، وخاصةً للجزائر”.

أنصار يمسكون راية لمارين لوبان، المرشح الرئاسي، من الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة في أثناء حملة في فرنسا، يوم الاثنين. آلان جوكار/ وكالة الصحافة الفرنسية – صور غيتي

وبعد أنْ رأى إيمانويل ماكرون الوسطي، وخصمها بالترشح للرئاسة، أنَّ أعمال فرنسا في الجزائر تُعدّ “أعمالًا ضد الإنسانية” و “جزءًا من الماضي يجب أن نواجهه”، وذلك خلال رحلةٍ إلى الجزائر، حيث واجه جوقة من النقد. كما اتهم جيرالد دارمانين، وهو عمدة وعضو في يمين الوسط الجمهوري، السيد ماكرون بـ “البصق على قبور مَن ماتوا في الجزائر لأجل فرنسا التي أحبوها”.

 

فرنسا الثورية أو فرنسا الإمبراطورية

إنَّ الحرب الجزائرية قسمت فرنسا بين رؤيتين للأمة، تستمران في السياسة إلى اليوم. كما قال السيد ستورا.

عرَّفت الرؤية الأولى فرنسا من خلال قيمها الثورية، ولا سيما المساواة والحرية التي شهدها كثيرون كما في الخلاف مع الحكم الاستعماري.

بلغت 130 سنة، من الحكم في الجزائر ذروتها في هويةٍ إمبراطورية، مزجت قيمًا مثل العلمانية مع القومية والتسلسل الهرمي العرقي للاستعمار.

جلب النزاع، حول البقاء في الجزائر، فرنسا إلى حافة حربٍ أهلية تم تجنبها بالانسحاب من شمال أفريقيا، ولكن القضايا الثقافية والهوية لم تُحلَّ أبدًا. وقد تعمقت الانقسامات بسبب الوصول المفاجئ لنحو مليونٍ من الجزائريين أصحاب الأقدام السود، والآلاف من الذين قاتلوا مع الاستعمار الفرنسي، وتبعهم عددٌ أكبر من الجزائريين الذين أتوا إلى فرنسا للعمل، وبالتالي استُقدم الصراع الأيديولوجي حول الهوية الفرنسية، البعيد من النهاية، إلى الأراضي الفرنسية.

قام جان إيف كامو -المحلل في المعهد الفرنسي للشؤون الدولية والاستراتيجية- بتتبع جذور الجبهة الوطنية للمعارضة الشعبية للانسحاب من الجزائر التي بلغت ذروتها بانقلابٍ فاشل من قبل القادة العسكريين. وقال السيد كامو: إنَّ والد السيدة لوبان، جان ماري، الذي أسس الحزب نمّى “شرارة” النشاط اليميني المتطرف في الجبهة الوطنية.

التكامل والقيم الأساسية

قال جنيفر سيسشن، وهو مؤرخٌ في جامعة أيوا: إنَّ السياسيين الفرنسيين اليمينيين، استخدموا لغة الاستعمار للتحدث عن مخاوفَ الهجرة، محذرين من أنَّ فرنسا معرضةٌ لخطر “الاستعمار” من قبل المهاجرين.

ترسم الجبهة الوطنية أيضًا أوجهَ تشابهٍ خافتة بين مقاتلي الاستقلال الجزائريين، والفوضى في أحياء المهاجرين اليوم.

ويستخدم اليسار أيضًا الجزائر كمجاز، راسمًا تشابهاتٍ بين الإساءات التي ارتُكبت في حقبة الاستعمار، وضبط الأمن للمسلمين اليوم، لكن حرارة هذه الحجج قد تحجب مشكلةً أعمق؛ فالمناقشات حول إدماج المهاجرين لا يمكن حلّها، من دون اتفاقٍ على القيم الأساسية التي يجب أنْ يندمج فيها الوافدون الجدد.

وقد أثير هذا السؤال في الجزائر، ولكن لم يُرَّد عليه قط. وذهب بعضهم إلى أنَّ الجزائريين لا يستطيعون الاندماج، إلا إذا تخلوا عن إيمانهم وثقافتهم، و رأى بعضهم أن المسيحيين الفرنسيين سيتعين عليهم توسيع إحساسهم بالهوية لإفساح المجال، في حين لا يزال بعضهم يرى أنَّ فرنسا هي فقط للفرنسيين. ما يزال هذا الخلاف يقسّم السياسة الفرنسية، على الرغم من أنهم يتجادلون الآن في لغة أكثر دقة عن التكامل والعلمانية.

وقال السيد ستورا: “تستخدم مارين لوبان مفردات الجمهورية، ولكن بالمعنى الاستعماري” مشيرةً إلى مطالب العصر الاستعماري بأنَّ الجزائريين جعلوا أنفسهم فرنسيين ثقافيًا، وقال: إنَّ هذا التأثير ما يزال يصر على أنَّ الغرباء “غير قادرين على الوصول إلى الجمهورية.”

يمين منقسم

عندما انسحب تشارلز ديغول -الرئيس القومي- من الجزائر في هزيمة عام 1962، فتح فجوةً بين يمين الوسط الفرنسي واليمين المتطرف، فجوةً لن تُغلق أبدًا.

أدت شعبية ديغول الهائلة بالناخبين من يمين الوسط إلى دعمه في التخلي عن الجزائر، ولكن اليمين المتطرف لن يغفر له أبدًا.

وقال ستورا عن اليمين المتطرف في أوائل الستينيات: “أرادوا أن يقتلوا ديغول جسديًا” وأضاف: “كانت هناك أربعة محاولات اغتيال”. ومنذ ذلك الحين، كافح السياسيون الرئيسون للتوفيق بين المظالم الوطنية حول الجزائر، وموقف المؤسسة الحاكمة التي أقرّت بأن ديغول كان على حق بأنْ ينسحب.

ازدهرت الجبهة الوطنية، وهي واحدةٌ من أحزاب اليمين المتطرف الأكثر شعبية في أوروبا، من خلال الاستحواذ على القومية الفرنسية على أنها قضيتها.

يُردد هذا الغضب صدى غضبٍ شعبي لدى الاتحاد الأوروبي، ولدى النخب التي يقال إنها باعت الشعب، لكن هذا الغضب كان مرتفعًا خاصةً في فرنسا، مضخمًا بالمهانة المستمرة، والحنين إلى الهوية الوطنية التي يقال إنها قد ضاعت في فترة شمال أفريقيا التي كانت فرنسية ذات يوم.

اسم المقالة الأصلي Echoes of Colonial Conflict in Algeria Reverberate in French Politics
الكاتب ماكس فيشر وأماندا تاوب، Max Fisher and Amanda Taub
مكان وتاريخ النشر نيو يورك تايمز، The New York Times، 2/5
رابط المقالة https://www.nytimes.com/2017/05/01/world/europe/echoes-of-colonial-conflict-in-algeria-reverberate-in-french-politics.html?mabReward=ACTM5&recp=2
ترجمة أحمد عيشة

 

مقالات ذات صلة

إغلاق