ترجمات

واشنطن بوست :شعبوية ترامب اليمينية مبنية على فقدان الذاكرة التاريخي

فاز الرئيس ترامب، في الانتخابات، على أساس وعدٍ متعلق بالماضي، هو “إعادة أميركا ثانيةً دولة عظمى”، وأعلن، مستحضرًا “الأيام الخوالي” الأسطورية، في حين كان ينتقد بشدةٍ الكارثة المفترضة، وفوضى الحاضر.

ولكن الشيء المضحك حول حنين ترامب هو أنَّ الرئيس قد أثبت، مرارًا وتكرارًا، أنه في النهاية، لا يعرف الكثير عن الماضي.

كان ذلك واضحًا، يوم الإثنين في الأول من أيار/ مايو، في مقابلة إذاعية في واشنطن، أشاد فيها ترامب بالرئيس أندرو جاكسون (الرئيس السابع للولايات المتحدة من الفترة 1829 إلى 1837)، ورأى أن جاكسون كان بإمكانه أن يمنع الحرب الأهلية من الحدوث.

وهنا مقتطفات كاملة مما قاله ترامب:

“لو أن أندرو جاكسون، في وقت لاحق، تمهل أكثر قليلًا، لما كانت الحرب الأهلية. كان شخصًا صعبًا جدًا، لكنه كان ذا قلبٍ كبير. وكان مستاءً جدًا من ذلك، رأى ما كان يحدث في ما يتعلق بالحرب الأهلية، وقال: “ليس هناك من سبب لذلك”. الناس لا يدركون، كما تعلمون، أبعادَ الحرب الأهلية. إذا كنت تفكر في ذلك، فلماذا لا يسأل الناس هذا السؤال؟ ولماذا حدثت الحرب الأهلية؟ ولماذا لم يُعمَل على ذلك؟”

وكما كتبنا في وقتٍ سابق، تبنى البيت الأبيض –علنيًا- إرثَ جاكسون الشعبوي. يتباهى ترامب بصورة جاكسون، في مكتبه في المكتب البيضاوي، وقام بزيارةٍ إلى قبر جاكسون في تينيسي في آذار/ مارس. ووُصف ترامب –بإسهابٍ- بأنَّه رئيسٌ “جاكسوني”. ولكن هناك كثير من الادعاءات المشكوك فيها، في جملٍ قليلة هنا، حيث إنها تلقي بظلالٍ من الشك على فهم ترامب الأساس لميزته الخاصة، فضلًا عن التاريخ الأميركي.

“إحدى القضايا الصارخة هنا: جاكسون لم يكن غاضبًا حقًا مما كان يحدث في الحرب الأهلية، لأنه مات قبل أكثر من عقد من الزمان (1845) من بدايتها (1861)،” لاحظ زميلي آرون بليك، الذي أشار بلطفٍ إلى المصدر المحتمل لارتباك ترامب. “أشرف جاكسون عام 1832 و1833 على أزمة عدم الاعتراف (بين كارولينا الجنوبية والحكومة الاتحادية) التي هدد فيها جاكسون باستخدام القوة العسكرية، لإجبار ولاية كارولينا الجنوبية على دفع الرسوم الجمركية، وقد حُلَّ الوضع في نهاية المطاف، ولكن يُنظر إلى هذه الحالة على أنّها تمهيدٌ للحرب الأهلية.”

وفي وقت لاحقٍ من يوم الاثنين، استمر الرئيس في التغريد:

الرئيس أندرو جاكسون الذي توفي، قبل 16 عامًا من بدء الحرب الأهلية، رأى أنها قادمة وكان غاضبًا. وكان يمكنه ألا يسمح بوقوعها مطلقا!

ولكن على الرغم من أنَّ جاكسون قد حافظ على الاتحاد خلال مدة عمله في منصبه، إلا أنه لم يعارض الرق -القضية الأساس في جوهر الحرب الأهلية- كان جاكسون مالك رقيق، ولم يظهر “قلبًا كبيرًا” على الناس العبيد الذين يؤمّنون رزقه. زملائي في مدونة ريتروبوليس كتبوا عن ملاحظةٍ، نشرها جاكسون في جريدة تينيسي عام 1804، يحث فيها على عودة العبد “الآبق”، وهو “هجين ملون” الذي “يتحدث بشكلٍ معقول، وينحني أثناء مشيته، وقدمه كبيرة بشكلٍ ملحوظ، وعريضة عند أصابع القدم، يفسح المجال للرجل الحر.”

مهدّت حملات جاكسون الشرسة ضد السكان الأصليين، في الجنوب الأميركي، الطريقَ لتوسع الرقّ هناك. وعندما كان في السلطة منع مكتبَ البريد من نقل الأوراق المناهضة للعبودية في ولايات الرقيق.

وقالت نيكول هيمر –وهي مؤرخةٌ في جامعة فيرجينيا- لموقع (ياهو نيوز): “كان لجاكسون قلبًا كبيرًا مع المزارعين البيض”، بينما لم يكن كذلك مع الهنود الأميركيين الذين ذبحهم، والأميركيين الأفارقة الذين استعبدهم، وبالنظر إلى تركيز ترامب على الأميركيين البيض أكثر من الأميركيين غير البيض، فإنه ليس من المستغرب أنه سيفشل في رؤية حدود طيبة قلب جاكسون.”

تُردد بلاغة ترامب من أنَّ الناس الذين يتشبثون بقراءةٍ منقحة سابقة للحرب الأهلية، القراءة التي سعت إلى التقليل من أهمية الرق بوصفه سببًا للحرب، وبدلًا من ذلك، أطّرت الصراع بوصفه خطأً مأسويًّا، كان يمكن تجنبه.

هذه القراءة تكمن وراء رومانسية “ذهب مع الريح”، وحنين متواطئ يرى العلمَ ذا المئة وخمسين عامًا لفصيلٍ خائنٍ انفصاليّ أبيض متفوق، ما يزال يُلصق على السيارات الأميركية، ويُرفع من المنازل، وإنه يُقدس في بعض برلمانات الولايات. ولكن، كما أشار الكاتب جوناثان كابيهارت، إنه أيضًا خطأ ببساطة.

“انسوا “الحرب بين الولايات” و”حرب العدوان الشمالي” أو “القضية المفقودة” كما كتب. وأضاف “إنها تعابيرٌ ملطفة لجعل الحرب حول الحفاظ على شر العبودية والاقتصاد الذي بنته، تبدو وكأنها جهدٌ نبيل من شعبٍ نبيلٍ”.

“إنَّ الإجماع الذي لا خلافَ عليه تمامًا بين المؤرخين المحترفين هو أنّ: العبودية تسببت في الحرب، وعلى الرغم من أنَّ هذا الاستنتاج لم يصل إلى كثير من عامة الناس”، كتب يوني أبليباوم في جريدة الأطلسي، وهو أيضًا أكاديميّ سابق في التاريخ الأميركي “إنّ القادة مثل جاكسون، أجّلوا الحساب الذي لا مفرَ منه”.

لذلك، نعم: عندما يسأل ترامب لماذا الحرب الأهلية “لا يمكن أن تكون قد استُفيد منها”، فهو يطرح سؤالًا قضى فيه المؤرخون سنواتٍ من النقاش والمتابعة. ولكن لأنه الرئيس ينبغي ألا يكون ساذجًا بشأن التوتر العنصري في صميم هذه القضية.

وهذا، في نهاية المطاف، ليس حادثًا منعزلًا، فقد أظهر ترامب جهلًا بالشخصيات في تاريخ التحرر الأميركي الأفريقي، كما تعثر البيت الأبيض مرارًا حول قضية الهولوكوست (المحرقة) وكيف ينبغي أن نتذكرها.

على مر الزمن، قلَّدَ ترامب وحلفاؤه، ببراعة، السياسيين الانفصاليين والمتعاطفين الفاشيين من عصور سابقة، في حين أنهم يشكون كلّ الوقت، عندما يفهم أي ناقد جذور المشكلة.

لعل علامة ترامب الشعبوية قد تستحضر الماضي الرومانسي، ولكنها تحتاج إلى أن تكون منفصلةً عن الحياة الحقيقية حتى تنجح. وينطبق الشيء نفسه على المستنقع، حيث تلقت زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي، مارين لوبان، المديحَ من ترامب مؤخرًا، بوصفها المرشح “الأقوى على الحدود”. تقوم بثبات بدور مزدوج، مستحضرةً فرنسا الأعرق، والأكثر مجدًا، بينما تقلل من أهمية ارتباطات حزبها مع الفاشية الجديدة، كما تنكر الهولوكوست (المحرقة). إذا خسرت الانتخابات الحالية في عطلة نهاية الأسبوع المقبل، فإن خصومها قد يعدّون ذلك نوعًا من انتقام التاريخ.

ولكن بالنسبة لترامب، بالكاد أكثر من 100 يوم في ولايته، هناك كثير من الاحتمالات المقبلة.

اسم المقالة الأصلي Trump’s right-wing populism is built on historical amnesia
الكاتب إسهان ثأرور، Ishaan Tharoor
مكان النشر وتاريخه واشنطن بوست، The Washington Post، 02/05/2017
رابط المقالة https://www.washingtonpost.com/news/worldviews/wp/2017/05/02/trumps-right-wing-populism-is-built-on-historical-amnesia/?utm_term=.f1cbadea5433
ترجمة أحمد عيشة

مقالات ذات صلة

إغلاق