هموم ثقافية

عن مؤسساتنا الثقافية البديلة رابطة الكتّاب السوريين نموذجًا

هل كانت ارتجالًا مَحضًا كلُّ تلك المؤسسات البديلة التي تشكَّلت طوال ست سنوات؛ بينما السوريون في مُعاناتهم التراجيدية الداميّة؟!.

لا شأنَ لي ها هنا، بمؤسسة الائتلاف، ولا بحكومته المؤقتة، ولا حتى بوزارة الثقافة في تلك الحكومة، لأن النقاش عن غائبٍ سيكون كالبحث عن الضمير المُستتِر وجوبًا أو جوازًا وراءَ كلِّ جملة!

لهذا، سأقتصر بالحديثَ على تجربةٍ واحدةٍ، منوّهًا بأنّي لستُ عضوًا في رابطة الكتّاب السوريين، وليس لي مآربُ انتخابية أو شخصية، مع أحدٍ من الأصدقاء أو الزملاء، أعضاء هذه الرابطة.

استوحَت الرابطةُ اسمَهَا من “رابطة الكتّاب السوريين” التي أنشأتها نخبةٌ من الكتاب السوريين، مطلعَ خمسينيات قرنٍ مضى، فكانت أولَ تعبيرٍ نقابي للكتّاب السوريين؛ ما لبثت حتى صارت نواةً أساسيةً لرابطة الكتاب العرب: أول تنظيم نقابي عربي يجمعهم؛ مُستفيدةً من المناخ الديمقراطي في سورية آنذاك؛ قبل أن تُطيحَهُ انقلابات العسكر.

وقد كان فألَ خيرٍ استلهامُ تلك التسمية الرائدة؛ لتكون اسمًا لِتَجَمُّعٍ نقابي سوري حُرٍّ، للكتاب الأحرار، بعد عامٍ من انطلاق الثورة السورية العظمى في آذار/ مارس 2011، لتكون أولَ منظمةٍ مدنيةٍ ديمقراطيةٍ سوريةٍ، تعقد مؤتمرها التأسيسي عام 2012، وتنتخب مكتبها التنفيذيّ، برئاسةٍ فخريّةٍ، للمُفكِّر الراحل صادق جلال العظم.

كانت تلك بدايةً مُبشِّرةً جدًا، وبخاصةٍ، مع صدور مجلةٍ عن الرابطة، لم تدفع مُستحِقاتٍ لِمَن نشرَ فيها، أعضاءً، ومِن خارجها، على الرغم من حصولها على تمويلٍ كافٍ جدًا!

مع انطواء خمسِ سنواتٍ على تأسيس رابطة الكتّاب السوريين؛ بدأ يظهر ما كُنَّا نُلاحظه خلال السنوات الثلاث الأخيرة من انكفائِها على نفسها، كما عن الفاعلية؛ وربّما، مِن ترهلها العدديِّ –أيضًا- على الرغم من وجود كثيرٍ من الأدباء السوريين خارجها، حتى وصل عدد أعضائها إلى 370 عضوًا؛ بعضُهُم صحافيون فحسب، وبعضهم ليسوا كتابًا ولا صحافيين، وبعضهم مثقفون مُتابعون فحسب، ليس لهم أيّ إسهام إبداعي! فكان ذلك، أولَ تجاوزٍ تنظيميٍّ لتسميتها “رابطة الكتّاب السوريين” حتى لو اتفقَ أغلبُ أعضائها على هذا الكوكتيل! أو صمتوا عنه، وكان حَرِيًا بهم تعديلُ الاسم إلى رابطة المثقفين السوريين!

هكذا ستمضي السنوات الثلاثُ الأخيرة؛ والرابطة التي جاهدت لتكون مُستقلّةً، قد أخذت تُعاني ما عانت وتُعانِيه المؤسسات السورية البديلة، عن مؤسسات الاستبداد، من مشاكل التمويل إلى الارتجاليّة في تسيير الشأنِ النقابيّ، وكذا، من “الشلليّة” أيضًا، ومن انشقاقِ أو خروجِ تياراتٍ منها، ومن اعتكافِ أعضائها داخل أنفسهم، ومن استكانةِ أغلبِهِم لواقع الحال، ومن وجودِ كُتّابٍ سوريين آخرين لم تستقطبهم الرابطة، حتى ظنّ القائمونَ عليها أن على الآخرين المجيء إليهم، وليسَ من مهامّهم النقابية استقطابُهُم! إضافة إلى الانقسام العمودي الذي طال كلَّ تجلياتِ السوريين، الاجتماعية والدينية والمذهبية والسياسية. وترافق هذا مع تشكيل منبرٍ أدبيٍ آخر هو “اتحاد الكتّاب السوريين الأحرار” ما لبث حتى سيطرَ عليه الإخوان المسلمون وإخوانُهُم السلفيّونَ؛ وصولًا إلى إخوة المنهج!؛ ظانين أنهم الممثل “الشرعيَّ” للكتّاب والأدباء السوريين، وأنّ الرابطة تُمثل فقط.. العلمانيين والديمقراطيين، وربما.. الكَفَرَةَ المُلحِدين!

كلّ هذا لم يدفع رابطةَ الكتاب إلى أن تنشطَ بجهودها الذاتيّة، لتُكرِّسَ صورتَهَا نقابةً وطنية سورية جامعة؛ حتى تراكم كلُّ ما ذكرتُهُ آنفًا، ليتفجّر في آخرِ انتخاباتٍ لها، لانتخاب رئيسٍ جديدٍ، بعد رحيل رئيسها الفخريّ جلال صادق العظم.

ترشّح لانتخاب رئاسة الرابطة عضو واحد، من أصل 370، وقام بعض الأعضاء بتداولِ مُلصقٍ انتخابيٍّ له، في حملة انتخابيةٍ لمرشحٍ واحدٍ، لا مُنافِسَ له! ثمّ صوَّت على انتخابه 93 عضوًا فقط، من أصل 370؛ أي.. أقلّ من ثُلثِ الأعضاء، ومع ذلك، لم تقل الرابطة إنه قد فاز بالتزكية! كما لم ينتبه أحدٌ إلى أنَّ أقلَّ من ثُلثِ الأعضاء لا يُعطِي شرعيةً انتخابية لأيّ أحدٍ، في أيّ نقابةٍ أو اتحاد؛ وحتى في أيّ جمعية خيرية!

كان على أعضاء الرابطة ألا يتداركوا ذاك بالالتفافِ على المشكلة البنيويّة؛ وبخاصةٍ، مكتبها التنفيذي، وأن يكون لهم مستشارٌ قانوني، يُنبِّهُ، كلّما خرجوا عن نظامها الداخلي، وأن يُؤجِّلوا انتخاباتِ المُرشح الوحيد، حتى يتوفّر مُنافِسٌ واحدٌ له على الأقل، ويُكلّفون المجلس التنفيذي بمتابعة تسيير شؤون الرابطة؛ ريثما يحصل انتخابٌ حقيقي، وريثما يُعدّلُ النظام الداخليّ ويُطوّر، بما يتماشى مع لغات العصر النقابية، ولا يتعارض مع الديمقراطية التي نسعى أن تحلَّ مكانَ التصويتِ، للصوتِ الواحد وللمُرشّحِ الواحد وللفائزِ الوحيد!

سيقول لي أحدٌ ما، على الطريقة السوريّة:

“ليش شايل السلّم التنظيمي بالعَرض.. مَرِّقها، الله يشفيك!”

سأبتسم وأنا أشعر بالأسف؛ لأننا لن نُقيمَ أيّ مؤسسةٍ بديلةٍ عن نظام الاستبداد، طالما بقينا في هذه العقليّة بالذات، وطالما أننا لم نتجاوز تغيِيبَنَا عن العملِ النقابيّ الجماعيّ منذ ستين عامًا، وطالما أننا لم نلتزم جميعنا بألف باء العمل المؤسساتي، فستبقى مؤسساتنا حبرًا على أوراق مُراسلاتها فقط؛ وفي مواقعها الإلكترونية التي لا يزورها حتى أعضاؤها!

أمَا آنَ لنا -بعد ستِ سنواتٍ- أن نخرجَ من الارتجال، إلى المَأسَسَة وإلى ثقافة العمل الجماعيّ؛ اعتمادًا على طاقاتنا الوطنية السورية فحسب، وعلى مواردنا الذاتية حتى لو كانت ضئيلة؟!

عطفًا على مقالةٍ سابقةٍ لي -هاهنا في موقع جيرون- عن حال مؤسساتنا الثقافية؛ ما زلتُ عند دعوتي؛ حَالِمًا بمؤسسة نقابية إبداعية سورية، تضمّ جميعَ المُبدعين الوطنيين السوريين، تجمع الروابط والاتحادات الثقافية والفنية والإعلامية كلّها؛ لتكون أولَ مؤسسةٍ تنظيمية وإنتاجية، لإبداعنا السوريّ الحرّ.

أيّ منظمةٍ نقابية لا إنتاجَ لها، هي غيرُ موجودةٍ بالفعل!

وينسحب هذا على أيّ تجمعٍ سوري، تشكّل خلال السنوات الست الماضية، بالتأكيد.

مقالات ذات صلة

إغلاق