قضايا المجتمع

مجزرة البيضا والنبع في بانياس…نظام المذابح

من قرية البيضا إلى حي رأس النبع، من 2 إلى 4 أيار/ مايو 2013، صبغت الشوارع المُطلة على البحر بالدم والألم، وسجل التاريخ السوري، في تلك المدينة الساحلية الهادئة بانياس، صفحةً سوداء في سجلاته، تحتاج إلى عقود طويلة، لتُمحى من ذاكرة المكان والناس.

تأتي الآن ذكرى تلك المجزرة المروعة، لتعيد رسمَ المأساة المستمرة التي اعترضت حياة السوريين، مع انطلاقتهم إلى الصعود فوق الأمواج العاتية لتنسم هواء الحرية، فإذا بكل حيتان العالم تفتح أفواهها لالتهام لحمهم وأحلامهم.

بعد عام على المجزرة، قال أبو الوليد، مسؤول المكتب الإعلامي في مدينة بانياس في شهادته التي نقلتها بعض المواقع الإعلامية: “حوصرت قرية البيضا، وبدأ “الدفاع الوطني”، والأمن العسكري، والجيش النظامي، بتمشيط الحارة الجنوبية للقرية، وصولًا إلى الساحة، جُمع الرجال والأطفال والنساء في مجموعات متفرقة، ومن ثمّ تفننوا في قتلهم حرقًا أو ذبحًا”.

لم يصدر رقم دقيق عن عدد الضحايا، من أي جهة بسبب صعوبة الأمر، لكن ماوثقته الشبكة السورية لحقوق الإنسان يشير إلى أن العدد وصل إلى 450 ضحية.

ذكرت لجان التنسيق المحلية في تقرير لها، عن المجزرتين، أن “ما حصل هو مجزرة تطهير عرقي مذهبي لطائفة السنة التي تقطن القرية بأكملها في ريف بانياس الجنوبي وهي قرية البيضا”، وأكدت أن “النظام قام بتحريك مجموعات، لا تنتمي إلى الجيش، وإنما من عناصر الأمن التي يضمن ولاءها التام، إضافة إلى ميليشيات طائفية، عُرفت لاحقًا بأنها (المقاومة السورية)، بقيادة المجرم علي الكيالي، واسمه الحقيقي (معراج أورال) وهو من أنطاكيا في تركيا.

وتوضح اللجان في تقريرها الذي أصدرته في 9 أيار/ مايو 2013، أي بعد نحو أسبوع على المجزرة، أن “قرية البيضا كانت تعيش أجواء مستقرة وهادئة، حتى وقع اشتباك بين مجموعة منشقة عن “الجيش السوري”، حين واجهت -بالصدفة المحضة- دوريةً للنظام على طريق يبعد عن القرية نحو تسعة كيلو مترات، وأردت المجموعةُ المنشقة عناصرَ النظام، بين قتيل وجريح، فأتى رد الأخير سريعًا، بارتكاب المجزرتين”.

وتُعدّ مدينة بانياس، من أوائل المدن السورية التي ثارت ضد الحكم الديكتاتوري، وانطلقت أولى تظاهراتها مع مدينة درعا في 18 آذار 2011، وتابع أبناؤها اعتصاماتهم وهتافاتهم في قلب مدينتهم سلميًا، وعندما اقتحمها النظام بدباباته، قابلهم الشبان بارتداء الأكفان على صدور عارية تعبيرًا عن سلميتهم وصمودهم.

وصفت لجان التنسيق، في تقريرها، بعض ما حدث، قائلة: “إن مساحة حي رأس النبع لا تتجاوز 400 متر مربع، على شكل طولي، استمر إطلاق القذائف عليه ما يقارب الساعة، بمعدل 10 قذائف في الدقيقة”، وبعد ذلك اقتحموا الحيّ من كافة الجهات، ودخلوا البيوت وباشروا القتل من دون تمييز”.

بقيت الجثث نحو 3 أيام في أماكنها، وقد انتشر عدد من أشرطة الفيديو المؤلمة، تُظهر القتل العشوائي، وتراكم تلك الجثث فوق بعضها، ونقل ناشطون معلومات تفيد بأن الجثث تعرضت للانتفاخ والتفسخ، وبخاصة تلك التي كانت تحت أشعة الشمس المباشرة، وبعد تفسخ الجثث اضطر عناصر النظام، إلى تحميلها بالشاحنات عن طريق الجرافات، من دون أي حرمة للموت، لتتم عمليات الدفن في مقابر جماعية من دون السماح لمن بقي من الأهالي بمعاينة الضحايا أو التعرف عليهم، وذكرت لجان التنسيق أن بعض الجثث دُفنت قرب “منطقة النزنازة” وأخرى دُفنت في مقبرة عند “جسر المرقب”.

قال الصحافي حيان العمري، وهو شاهد على المجازر في بانياس والساحل في حديث لـ (جيرون): “من الصعب أن تجد وصفًا للمشاعر، أو أن تُجيد ترجمة أحاسيسك وابنك بين يديك، أو قريبك، أو جارك، تظن، في تلك اللحظة، أن كل المشاعر قد ماتت”، وأضاف “المشاهد فاقت كل تصور، والسؤال كان أي عقل سيحتمل ذلك”.

وأضاف العمري: ظن النظام أنه “سينهي الثورة بتلك المجازر، وأن ازدياد عدد الشهداء سيوهن عزيمة الناس. لا زلنا نحتسي سمّ الحسرة والألم، ما بين انفطار الروح ووهن القلب، فمن لم يمت بتلك المجازر أصبح رهين سجن لا يدري ماذا يُفعل به، لكن ما زالت تلك الأرواح بالنسبة إلينا حبرًا من الآهات لم يجف، وازددنا إصرارًا على الاستمرار بالثورة، وكانت بانياس رقمًا صعبًا وستبقى، وباستمرار الثورة، سينتهي حكم القتلة وطرد المحتلين”.

يُقدر عدد سكان مدينة بانياس الساحلية التي تتبع لمحافظة طرطوس، نحو 170 ألف نسمة، ما بين سنة ومسيحيين وعلويين، ولم يُسجل طوال تاريخها أي حدث له خلفية طائفية. جاءت هذه المجزرة بحق مناطق سنية، لتشكل صفعة لجميع السوريين، فنطام الأسد الذي خرجت المتحدثة باسمه بثينة شعبان، منذ بدايات الثورة، لتصم الثوار بأن خلفياتهم طائفية، كانت تريد بكلماتها شحذ همم المرتزقة الطائفيين، بطريقة غرائزية بلا أي حس وطني، لكن من جانب آخر أثبتت الأيام أنها ثورة وطنية لا طائفية، وضعت على صدور شهدائها من البيضا والنبع وكافة مناطق سورية نياشين الشجاعة والإباء، سامية في أهدافها نحو بناء وطن كريم لإنسان حر، هكذا كانوا شهداء البيضا والنبع في بانياس، وهكذا سيسجلهم أبناء سورية أرواحًا خالدةً في سجل التاريخ.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق