كلمة جيرون

“فيالقهم” و”حماقاتهم”

قبل ست سنوات ونيّف، وضع الشعب السوري روحَه على كفّه، وهمز حصان الغضب، وأعلنها ثورة… ثورةً ضد كلّ أوساخ العهد الطويل من الحكم الشمولي الأمني الطائفي الفاسد، وانتشرت التظاهرات السلمية في عموم سورية؛ وكان من الطبيعي أن يواجهها النظام بالرصاص الحي، فذلك جوهر بنيته الإرهابية التي اعتمدت على العنف والقمع والاغتيال والقتل وتصفية الخصوم منهجًا وحيدًا للتعامل مع الآخر المختلف.

مرت الثورة بما مرّت به، من انتكاسات، وأخطاء، وعثرات، وأحيانًا بمصائب، وفشلت المعارضة السياسية، ثم فشلت العسكرية بأن تكون أقلّ سوءًا من الأولى، فتشرذمت، وانقسمت، وفسدت، وارتهنت، وتأسلمت، وأحيانًا انحطّت.

بعد ست سنوات ونيّف، صار لدى “المعارضة” السورية عشرات الجيوش، والفيالق، والكتائب، وأخذت تبحث عن “عدّة للنصب”، فصار لمعظمها أسماء دينية، وصار عنوان أيديولوجيتها “نصرة الإسلام”، و”إقامة الدولة الصالحة”، و”رِفعة الدين”، و”ردّ البغي والكفر”، واجتهدت هذه “الجيوش والفيالق والكتائب”، خلال ست سنوات، في ترسيخ فكرة أن الثورة السورية هي ثورة إسلام وإسلاميين ومؤمنين، ضد فكر كافر مرتدّ مارق زنديق.

انعكس كل هذا على السوريين، وبخاصة على أهل الثورة الأصلاء، فهُمّش دورهم، وقُضي عليهم، وهُجّروا وعُذّبوا ثم صُفّوا، من قِبَل كلّ الأطراف، النظام وميليشياته ومرتزقته ومجرميه، وهذه الفصائل وجيوشها وفيالقها وكتائبها، ولم يعد هناك فرق واضح أو تمايز، بين النظام وبين تلك الطفرات التي تلفّحت بالإسلام وجعلته عدّةً للنصب، وبالثورة لتغطية مشاريعهم.

قبل أيام، اقتتلت هذه “الجيوش والفيالق والكتائب” الإسلامية العنوان، في ريف دمشق، وهو شيء معتاد، وليس لأهل الثورة شأن فيه، بل هو شأن أمراء الحرب والقادة والحثالة، وشأن الممولين والداعمين، أيًّا كانوا، “فرسًا أم عربًا أم عجم”، وهذا جزء من تكتيكاتهم لتنفيذ ما يريدون.

لكن، أن يقوم هؤلاء بإطلاق النار الحي، ليصيبوا ويقتلوا مدنيين طالبوهم بكفّ بغيهم، فهذا منتهى الانحطاط؛ إذ لم تكفِ هذه “الجيوش والفيالق والجبهات والكتائب” بأنها سطت على الثورة، وتسلقت عليها، وشوهتها، ودمّرت أحلام السوريين، وقدّمت خدمات عظيمة للنظام، ولغيره، وارتهنت للخارج، وباعت نفسها لمصادر التسليح والمال، ووزعت الفتاوى على عواهنها، بل أرادت أن تسلك درب النظام نفسه، وأن تتعامل بأخلاقياته الرعناء والحمقاء ذاتها.

لحاهم ليست دليل تنسكهم، وعباءاتهم البيضاء غدت سوداء بأفعالهم، وفتاواهم قصيرة النظر تُلقى على عواهنها، ونظرهم لا يرى أبعد من أرنبة الأنف، ولن تُرهب السوريين عصيّهم أو أسلحتهم، وكما همز الشعب السوري، من قبلُ، أحصنةَ الغضب وأعلنها ثورة، سيهمزها من جديد، وستبدأ الثورة الأكبر ضدّ كل قُطّاع الطرق، والبغاة، والجهلة، وكل الذين تسلطوا فأجرموا، أيًّا كان داعمهم وآمرهم ومُسيّرهم.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق