سورية الآن

في الغارات والمآلات

صار شيئاً من عاديات ويوميات النكبة السورية، القصف الإسرائيلي بالجو عن قُرب أو بالصواريخ عن بُعد، لأهداف محدّدة داخل النطاق الجغرافي الذي لا يزال خاضعاً صُوَرياً لما تبقى من سلطة الرئيس السابق بشار الأسد وفعلياً للميليشيات المتعدّدة الجنسيات الخاضعة لإيران أو الحليفة لها أو المشتغلة تحت جوانحها أو الخاضعة لأجندتها، أو الملتزمة سياستها وعقيدتها وتوجّهاتها ومشاريعها.

والأفضل على ما يبدو، هو إيقاف العدّ! والامتناع عن تحديد أين صار الرقم الفعلي للغارات وعمليات القصف الصاروخي الإسرائيلية في الداخل السوري، منذ انفلاشها وتصاعدها في السنوات القليلة الماضية، وصولاً إلى تكثيفها في الآونة الأخيرة.. ثم بعد ذلك إذا أمكن، إيقاف محاولة رصد الأهداف المقصودة تماماً. ماهيتها، وطبيعتها و«حجمها»! أو محاولة فهم شيء عن عدد ضحاياها أو جنسياتهم!

وحيثيات الدعوة إلى ذلك، بسيطة ومفاجئة! بحيث أن تلك الهجمات تمضي في خط تصاعدي وليس تنازلياً، وستستمر على ما يبدو طالما أن الميزان مكسور! وطالما أن انشودة «الاحتفاظ بحق الردّ في الوقت والزمان المناسبَين» يجري تلميعها وضبّها! وليس إعلانها مثلما كان يحصل في العادة!
وبالتالي لن يعود للعدّ جدوى إزاء «المبدأ» القائل بأن إسرائيل تتصرف وستستمر بالتصرّف باطمئنان بالغ! وتُظهر كم أن أمورها، الروسية والأميركية سالكة من دون أي عوائق.. وكم أن أهدافها مكشوفة تماماً بالمعنيين الميداني والسياسي! أي أنها تضرب بناء على مُعطيات حسّية! ومعلومات متتالية! وتلاحق وعن قُرب شديد! أي «حالة» تخرج عن «خطوطها الحمر» وتعالجها فوراً!

شيء من ذلك وربما أكثر، رافق «عاصفة السوخوي» الروسية منذ انطلاقها أواخر العام 2015 كما رافق غارات وحملات القصف الجوّي الأسدي على مناطق المعارضة. أي قصف واستهداف مراكز قيادية «معادية»، أو مخازن الفصائل المقاتلة أو طرق إمدادها، أو تجمّعاتها.. عدا عن الاستهداف العشوائي للبيئة المدنية العريضة وبطريقة وحشية سافرة! لكن إذا كانت الإحداثيات التي استند إليها الطيران الروسي والأسدي جاءت من اختراقات «فردية مألوفة» في صفوف الفصائل المسلّحة، فمن أين تأتي الإحداثيات والمعلومات التي يستند إليها الإسرائيليون؟! خصوصاً، أن أهدافهم كانت دائماً «فائقة الحساسية»! ومهمّة.. بشرياً وتسليحياً؟!

استفاد الروس من أجواء مفتوحة ومن دون مُنغّصات! لا أميركية ولا غيرها حتى وإن كان القصف يتم عند حدود «الناتو» حرفياً! ويستفيد الإسرائيليون اليوم من أجواء مفتوحة أيضاً، لكن بجرعات اطمئنان أكثر من تلك التي رافقت العمليات «الفضائية» الروسية! أي تفرّج الأميركيون (والعالم!) على الروس بالأمس. ويتفرج الروس والأميركيون على الإسرائيليين اليوم!

والمراقبة (أعزائي المشاهدين!) غير الرقابة! الأولى تعني التفرُّج الذي يُبطن ويُظهر موافقة مسبقة! والثانية تعني العكس، وتدلّ على تحفّز مضادّ.. والقصة كبيرة! والمعنى: أن رفع الغطاء عن المعارضة (بدعوى محاربة الإرهاب وبغيرها) كان أحد انعكاسات القرار الأميركي الانكفائي و«الالتزام» الأوروبي (والواقعي) بذلك، ثم عدم قدرة القوى الاقليمية على قلب الطاولة!.. واستطرد الروس في التنفيذ وشطّوا! واستطرد الأميركيون (وخلفهم العالم!) بمراقبة المذبحة الجارية!

ما تفعله إسرائيل (وستفعله؟!) يعكس انقلاب المعادلة، بعد انقلاب الموقف الأميركي والدخول المباشِر على مسرح العمليات.. سوى أن الطرف الآخر، الروسي تحديداً، يجد نفسه في موقع المراقب! لكنه يحاول (فقط) أن يظهر بمظهر الرقيب! والحقيقة هي أن موسكو لم تبلف أحداً في هذا المضمار، بل أن المحور الأسدي – الإيراني هو الذي راح في النكران بعيداً، وحاول طويلاً، أن يبلف الأعداء والأخصام، ويهبّط معنوياتهم ويدمّر يقينياتهم ويغزل على منواله خبرية «الحلف الثلاثي» الذي يضمّه مع روسيا، وصولاً إلى زبدة القول بانتهاء زمن الاحادية الأميركية.. الخ! وتحفّز روسيا، بصواريخ «أس -400» وبأحدث طيرانها الحربي وبأسطولها البحري، لمواجهة أي رأس حام مضاد وتكسيره!

إسرائيل كانت دائماً في الصورة! وجماعة الأسد وإيران كانت دائماً تحاول طمس هذه الصورة! اليوم ضاقت حدود المناورة والتفنيص والتشبيح. وما كان ينقص موسكو سوى أن تُعلن، ما أعلنته بالأمس، من أنها جاءت إلى سوريا في مهمّة لا تشمل قتال الإسرائيليين ولا الأميركيين ولا ضرّابي الطبل!.. وطبعاً، ذلك يستثني المعارضة السورية وشعبها، و«الجماعات الإرهابية»!

في ظلّ هذه المعطيات (الحقيقية بالمناسبة!) قد يكون من الأسلم على الجماعة الإيرانية – الأسدية البحث عن طريق ثالث خارج ازدواجية، «الرضوخ أو الردّ» ازاء الهجمات الإسرائيلية. والباب مفتوح باتجاهين: واحد يوصل إلى موسكو بالنسبة إلى الأسد وعصبته! وثانٍ يوصل إلى طهران ولبنان، أي إلى قواعد الانطلاق بالنسبة إلى إيران و«حزب الله»!… حل بسيط ومفاجئ! أم ماذا؟!

(*) كاتب لبناني

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق