مقالات الرأي

خصائص الزمن الثقافي المعاصر

يتميز الخطاب الثقافي، في ظل ما تشهده المجتمعات المعاصرة من تحديات وتحولات في هذا الزمن المتغيّر، بأنه خطاب إشكالي: فمن جهة، هناك الانهيارات السياسية والأيديولوجية التي أصابت العديد من الأفكار والنظم والمشاريع. ومن جهة ثانية، هناك الطفرات المعرفية التي شهدتها الفلسفة وعلوم الإنسان، وقد أسفرت عن انبثاق قراءات جديدة للحداثة وشعاراتها حول العقل والحرية والتقدم. ومن جهة ثالثة، هناك الثورات العلمية والتقنية والمعلوماتية التي ندخل معها في طور حضاري جديد.

ولعلَّ أحد أهم ملامح أزمة الخطاب الثقافي المعاصر تكمن في محاولة التعرّف على عناصر ومكوّنات ثقافة العولمة وأدواتها الوظيفية، وكذلك ما تنطوي عليه من قضايا: الثقافة الوطنية، والهوية الحضارية، والخصوصية القومية، وتعدد الثقافات. وإزاء كل ذلك، يبدو أنه من الضروري أن يعمل المرء على إعادة صياغة وترتيب أفكاره، بما يمكّنه من فهم وتشخيص هذه التحولات العميقة بداية؛ ومن ثم الانخراط في تغيير الواقع الثقافي العربي في اتجاه التكيّف الإيجابي مع معطيات وتحولات هذا الزمن المتغيّر.

ولعلَّ منبع تجدّد الإشكال الثقافي اليوم راجعٌ إلى تصادم حقيقتين بارزتين: أولاهما، الالتزام الجماعي بمقتضيات الكونية الناتجة عن مسار تَوَحُّد البشرية واقتران مصاير أبنائها، من خلال الثورة الاتصالية والاندراج في الاقتصاد العالمي. وثانيتهما، الإقرار النظري والمعياري، بحق الثقافات في الاختلاف والتمايز وتماثلها من حيث القيمة والمشروعية.

والواقع أنّ مكمن الإشكال عائد إلى صعوبة صياغة تأليفية لهاتين الحقيقتين، فغني عن البيان أنّ حركية العولمة قد ولّدت وعيًا متناميًا بضرورة بناء نسيج ثقافي كوني منسجم مع الواقع الجديد الذي أفرزته، بيد أنّ هذا المضمون ظل خلافيًا ومدار تباين واسع، حتى داخل الفضاء الغربي الذي لا يشكل مجالًا منسجمًا وموحَّدًا، على عكس الصورة السائدة. فمن جهة، يجري الحديث عن خصوصية الثقافة الفرانكفونية المؤسسة على تراث التنوير بقيمه الإنسانية، والإطار الفرانكفوني، بصفته مجالًا رحبًا للتنوع الثقافي يستوعب الروافد الأفريقية والآسيوية والأمريكية في الساحات التي امتد إليها الإشعاع الثقافي الفرنسي. ومن جهة أخرى، فإنّ تيار “العولمة البديلة” امتد إلى الجامعات الأميركية العريقة؛ فظهرت مجموعات “الثقافة المضادة”.

إنّ مثقف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين سيستمد شرعيته من مطابقته للقيم العقلانية والإنسانية دائمًا، ومن عمق قراءته للظواهر الجديدة. وتبدو أهمية دور المثقف النقدي واضحة على ضوء ما نشاهده من انتشار كاسح للثقافة الشعبية الأميركية، بما تنطوي عليه من أنماط الحياة اليومية في اللباس والأطعمة السريعة وغيرها من السلع الاستهلاكية، ومحدودية انتشار ثقافة النخبة الأميركية، بما تحتضنه من قيم براغماتية – نفعية تساهم في التقدم الحقيقي لشعوب العالم.

في حين أنّ العالم اليوم دخل مرحلة جديدة، تهيمن فيها “امتثالية ثقافية شديدة” ذات طابع تسلّطي. فالسياسة الدولية تشهد حراكًا مستمرًا، يعكس صور النزاعات الثقافية الكامنة وراءه. صحيح أنّ العناوين المطروحة للنزاعات لا تبدو ثقافية في الوهلة الأولى، ولكن عند تمحيص مضامينها وسياقاتها تظهر بوضوح المعالم الثقافية الكامنة فيها، فهي مرحلة يُسعى من خلالها إلى فرض رؤية أحادية للعالم، والتهرّب من أي حس نقدي، في سياق محاولتها منح شرعية للقوة الأميركية الساعية إلى فرض رؤية ذات بعد واحد على بني البشر.

وهكذا، لا بدَّ من إعادة طرح جملة من الأسئلة عن مآل الحداثة وأزمتها، وتجديد التساؤل بشأن إمكان الوصول إلى عقد إنساني جديد، ينقذ العالم من دوامة العنف التي تكتسي طابعًا دينيًا في أيامنا هذه، ويؤمّن أفضل السبل لإنقاذ البشرية من “طاعون” التعصب والطائفية والعنصرية. خاصة بعد أن استجدت عوائق ثقافية لتبادل الأفكار والقيم، إذ نشأت حدود رمزية فاصلة بين المجتمعات بفعل النزاعات السياسية والدينية والثقافية، فبذرائع المحافظة على الأصالة والهوية ظهرت ردات أفعال مناهضة للتغيّرات الاجتماعية والثقافية. وفي ظل توترات تجتاح العالم، وقوى إمبراطورية تريد إعادة تشكيله، طبقًا لرؤاها ومصالحها، لجأت كثير من المجتمعات إلى الاعتصام بنفسها، وبقيمها، وبثقافتها، وذلك في رغبة عارمة للحماية الذاتية. ومن الطبيعي أنّ الرغبة في صيانة الذات ستؤدي إلى درجة من الانقطاع عن جملة التحولات الجارية في العالم؛ فيحلُّ الرفض محل القبول، ويسود الخوف بدل الأمان، والريبة مكان الطمأنينة، وتندلع نزاعات ثقافية بموازاة الصراعات العسكرية والاقتصادية والسياسية.

إنّ العالم يشهد مرحلة إعادة نظر جذرية في قضية الثقافة، بل إعادة اعتبار لها من زاوية استراتيجيات المستقبل، ولا سيّما أنّ التطورات الجارية تبشّر بمستقبل جديد على مستوى الإنجاز المادي والتقدم التكنولوجي، ومراكز البث الإلكتروني، وبرامج التنفيذ في مجالات الإدارة والعمل الوظيفي، فضلًا عن المؤسسات التي تقتضي طبيعة عملها صرامةً متناهيةً في التنفيذ.

مقالات ذات صلة

إغلاق