هموم ثقافية

الإيقاع والشعر، جدل العلاقة والتطوّر

يُجمع النقاد على أنّ الشعر تعبير صوتي، يرتبط بالإيقاع ارتباطًا جدليًا لا فكاك له عنه، ولكن هذا الإجماع سرعان ما يضطرب، تبعًا لسعة الاضطراب في مفهوم الإيقاع ومستوياته، وذلك لأن الإيقاع عامل مشترك بين الشعر واللغات والصوتيات جميعًا، وكلها تشترك بكونها قائمة على تناوب الذبذبات بين السكون والحركة، وعلى مقدار ما تشغله تلك الذبذبات من حيزات زمانية في أثناء ترددها وانطلاقها عبر الأثير، يتوقف مدى تأثيرها بمشاعر وأحاسيس المتلقين، فتتوحد أحاسيسهم ومشاعرهم، في حضرة الجمال والقبح والمحبة والكره والإعجاب والازدراء، ولو بدرجات متفاوتة، وعبر هذه الميزة الإيقاعية للشعر، تتأكد طبيعته الجماعية، ويتحقق التوازن الدقيق ما بين المحتوى الغريزي (الانفعالي) للقصيدة، وبين المستوى التعبيري، ومن هنا تداخل الشعر بالميثولوجيا في طفولة الشعوب؛ ومن ثمّ تطوّر إلى التراتيل الدينية، وذلك لأنّ الإيقاع (لحمة الشعر وسداه) وأهم مؤثراته، ولكن بأي معنى يكون ذلك؟؟

صحيح أن الشعر” يستحضر(أفكارًا) أي صورًا من الذاكرة، وإلا لكان مجرد أصوات -حسب مالارميه-، وأنه؛ أي الشعر “يكتب بالكلمات وليس بالأفكار”، ولأن “للكلمات جانب ذاتي (الشعور) وجانب موضوعي (الإدراك)، تثير الكلمة مضافة إلى الفكرة “إشراقًا” عاطفيًا من النوع الذي يجعل الشعر فنّ الكلمة المغايرة، ويتحقق عبر الأفكار والإيقاع بوصفه “لغة ثانية”. النظام الذي يتوالى أو يتناوب بموجبه مؤثر “صوتي أو شكلي أو جوّ ما حسي، فكري، سحري، روحي” وفق صيغة لعلاقات تتناغم وتتعارض وتتوازى وتتداخل، في نظام أمواج صوتية ومعنوية وشكلية، ويتحقق عبر ذلك كله الإيقاع الخاص بالصورة (الفكرة) ذاتها، الصورة التي أخذ النقاد يتحدثون عن إيقاعها منذ بدايات قصيدة النثر، وعدّوها بديلًا عن الإيقاع الوزني الذي تحدثه تفعيلات البحور الخليلية والقافية المتناوبة، بل إنّ بعضهم، وأولهم خالدة سعيد التي أشارت إلى إيقاع الأفكار في القصيدة الجاهلية، معتبرة توالي الأفكار وتراتبها وتراكبها، في المعلقات، تشاكلًا وصدى لإيقاع الحياة الجاهلية، بدءًا من النسيب (ذكر المرأة أو الحبيبة) الذي تُفتتح به القصائد، ومن ثمّ الوقوف على الأطلال واستدعاء الذكريات، تنعكس من خلالها طبيعة حياة البدوي المتنقل وهمومه وأحلامه وأوهامه، وموقفه الوجودي من فلسفة الوجود والعدم. وبناء على ذلك ترى الناقدة أنّ الشاعر الجاهلي قد أبدع إيقاعه الخاص عبر التواتر المنسق الذي ينتهي بمؤثر صوتي واحد، يمثل دورة الحياة والفصول وإيقاع الحركة في تلك البيئة؛ حتى إنّ النسق الشعري الجاهلي عبّر عن نفسه بتوالي إيقاعات نفسية، شكّل الحنين إلى الماضي والوقوف على أطلاله، أبرزها.

من هنا، ومن الإيقاع ذاته، يكمن التمايز الأهمّ بين الشعر وغيره من الأجناس الأدبية، وبين الشعراء أنفسهم، وذلك لأنّ الجمال هو الفضيلة المشتركة للشعر، وباعتبار أن الجمال يتأتّى من إيقاعات صوتية وتعبيرية “ولأنه غير رمزي وغير عقلاني”؛ فهو يرتبط بأنماط الوعي الانفعالي الوجداني للشعوب، ويتميز بمشاعر مكثفة، تكفي لفصله عن أجناس الأدب كلها، وهذا ما يكسبه أهمية تاريخية خاصة، تعكس مدى تطور الذائقة والوعي الانفعالي الوجداني والثقافي للشعوب.

لقد كشف الناقد المصري محمد النويهي، في وقت مبكر، عن علاقة التأليف بالتشاكل الصوتي، وارتباط هذا التشاكل بالمضمون الشعري؛ فتردد الحروف –برأيه- يتجاوز وجودها الإيقاعي المحض، إلى وظيفتها العضوية في “أداء المضمون” ومن ذلك “ترديد الحرف الواحد في كلمتين أو كلمات متتابعة أو متقاربة”، لأن الشاعر يصلنا بمضمون فِكره وعاطفته، ليس بما للكلمات من معان فحسب، بل وبما لها من خصائص إيقاعية أيضًا، فحيث يتموج الإيقاع بين العلو والهبوط واللين والشدة، متوافقًا مع تموجات الفكرة والانفعال بها، يكون الشعر أكثر تأثيرًا وربما إدهاشًا”.

وكي لا يُفهم من كلامنا أنّ الإيقاع ميزة خاصة بالشعر، بينما ينحسر عن الأجناس الأدبية الأخرى، نؤكّد أن المقصود هو ما يميز إيقاع الشعر عن إيقاع الكتابات النثرية، فالشاعر محمود درويش، يتوافق مع رأي أبي حيان التوحيدي، في ما معناه “أفضل الشعر ما شاكل النثر، من دون أنّ يغدو نثرًا، وأفضل النثر ما شاكل الشعر من غير أن يصبح شعرًا”. وبمعنى آخر: إن الإيقاع يتحوّل ويتغير قوامه ولكنه لا يغيب ولا يختفي، وهذا ما يشير إليه فلوبير بقوله: “يلزم (للنثر) إحساس عميق بالإيقاع التائه من دون قواعد، من دون يقين، وتلزم صفات فطرية وقوة في التفكير وحس فني أدق وأرهف لتغيير الحركة في كلّ لحظة، وتغيير اللون ولهجة الأسلوب، بحسب ما يراد”. وهو ما يتوافق مع مفهوم الإيقاع الذي هو أساس بنية قصيدة النثر أيضًا، -وإن كان لا يستوعبها- وذلك لأن شاعرها يشترك مع فن النثر في حاجته إلى “إحساس عميق بالإيقاع التائه من دون قواعد، من دون يقين”، ولكنه يحتاج إضافة إلى ذلك إرهافًا بالمحددات الجوانية، من اتساق الحروف وتقارب مخارجها أو تكراراها وترددها، أو ربما تفارقها وائتلافها معًا، وهذه المحددات كلها، تشكل تماهيًا أو تضايفًا، بين البنية الإيقاعية والبنية التعبيرية في قصيدة (النثر) التي تحتاج إلى تقانات خاصة، تميزها عن الشعر النثري بوصفه (سرديًا وصفيًا ويميل إلى الإطناب والإسهاب والشرح، بينما قصيدة النثر إيحائية)، وفقًا لمحددات روادها الذين ألزموا كتابها بتقانات ملزمة، ولكنها لم تلزم أحدًا إلا في حدود معينة، وذلك أمر حيوي، لأننا لا يمكن أن نقصّ ونفصّل تجربة الشاعر العربي على مقاس الشاعر الفرنسي ولا غيره، بل لا يمكن أن نفصّل الشعر والشعراء على مقاس واحد، حتى ولو اشتركوا بسمات عامة، بل إنّ الانعتاق من هيمنة إيقاعات الآخرين وتأصيل الشاعر لإيقاعاته الخاصة، هو خطوة لا بدّ منها باتجاه بلورة هويته الإبداعية المتميزة.

وفي المطابقة بين ما جاء من آراء نقدية، على لسان الرواد العرب، من ملزمات ومن توصيفات لقصيدة النثر، نجد أنهم لم يغادروا المحددات التي جاءت بها الفرنسية (سوزان برنار) في كتابها الصادر في باريس عام 1958 بعنوان (قصيدة النثر من بودلير إلى يومنا هذا) وترجمه أدونيس في العام ذاته، وكرر تلك المحددات المطلوبة في قصيدة النثر في كتابه (صدمة الحداثة) موضحًا وشارحًا أفكارها في قوله: “… وهي ذات وحدة مغلقة، دائرة أو شبه دائرة، لا خط مستقيم، وهي مجموعة علائق تنتظم في شبكة كثيفة، ذات تقنية محددة وبناء تركيبي موحد، منتظم الأجزاء، متوازن، تهيمن عليه إرادة الوعي التي تراقب التجربة وتقودها وتوجهها، ويختم بقوله: “إن قصيدة النثر تبلور قبل أن تكون نثرًا –أي أنها وحدة عضوية وكثافة وتوتر- قبل أن تكون جملًا وكلمات” وهي شعر يستخدم النثر لغايات شعرية خالصة، لذلك لها هيكل وتنظيم، ولها قوانين ليست شكلية فقط، بل عميقة عضوية كما في أي نوع آخر”

وهنا يمكننا أن نضيف أنّ قصيدة النثر وحدها هي التي تجرأت وبدأت عملية كسر هيمنة الإيقاع العروضي التقليدي، على البنية الإيقاعية، لتأسس لحساسية شعرية جديدة، بعد أن توقفت سابقتها قصيدة الشعر الحرّ (التفعيلة) عند حدّ التفعيلة، وإن تكن قد حفّزت على كسرها، عبر خلط التفعيلات والقوافي، وتجزئتها إلى أنصاف وأرباع، كما أولت البنية العضوية للقصيدة عنايتها، بما أعطى لكل فكرة إيقاعها الخاص، ولكنها حافظت على الموسيقا الشعرية المنطوية على إيقاعات تتضايف وتنبني، لتندرج في بناء القصيدة، واستدعت الحكاية والديالوج والمنولوج، وكلها أخصبت بنية القصيدة بمزيد من الإيقاعات العصرية المستحدثة، وتركت مهمة الخروج من الإيقاع المموسق، إلى أجيال متتابعة لقصيدة النثر، لنجد أن شعراء الجيل الشاب أكثرهم جرأة في التمرد على الموروثات الإيقاعية والتعبيرية، وليس أكثرهم ابتعادًا عن تقاليد جيل الجدود فقط، بل جيل الرواد ابتداء من الماغوط، وهو ما نلمح بداياته في تجربة الشاعر رياض الصالح الحسين، الذي قدم قصيدة نثرية عميقة وبريئة من غنائية الماغوط، ومن انفعالاته الحادة.

مقالات ذات صلة

إغلاق