تحقيقات وتقارير سياسية

مؤتمر في الديمقراطية أم “الباطنية السياسية”

من غير المستغرب أن يتساءل كاتبٌ كجهاد الخازن، ناقدًا، في “الحياة” عن المخفي وغير المنظور في السياسية الأميركية، وذلك في سياق تناقضات تصريحاتها المتتالية إزاء الملف السوري والمنطقة عامة فيما سمّاه “عيون وآذان السياسة الأميركية من نوع (فوازير رمضان)”! فقد اعتاد صناع القرار العالمي لعبَ دور المهيمن على الرأي العام وتشتيته في آن، حول ما ينوون فعله في حقيقة الأمر،  وبات هذا شيئًا معروفًا بل ومعهودًا لدى صناع السياسة الأميركية البراغماتية تاريخيًا. حيث إن للدول العظمى شأنها في ما تخطط وترمي من سياسات تسعى وتروج لها إعلاميًا بطرق متعددة، حتى وإن بدت متباينة، غير أن السوريين الذين يدركون جيدًا حجم ثقل الموقف الأميركي من قضيتهم، سواء بخذلانها أو باستثمارها، باتوا يفهمون الإشارات الأميركية، كل على طريقته!

التاريخ السياسي، لما بعد الثورة، مختلف عما قبله، وأقل ما يُقال فيه إنه تاريخ تعرّت أمامه كلّ نماذج التلون والمواقف السياسية المراوغة، ولم يعد يحتمل أبدًا المزيدَ من التأويل ولا الاستبطان ولا التجمل بالكلمات الوطنية والديمقراطية المبطنة لخلاف أغراضها! فقبل كل منعطف سياسي سوري أو توقع لحدث مفصلي، طوال الأعوام الفائتة، تنبري بعض “النخب المثقفة” التي امتلكت قرون استشعار، لتصطف وتُعلن عن تنظيم سياسي هنا، ومنصة أو مؤتمر هناك!

صدر بيان ختامي عن المؤتمر الوطني الديمقراطي المنعقد، في جنيف 15 – 17 نيسان/ أبريل، جاء فيه أنه أتى في إطار “السعي لتجميع الوطنيين الديمقراطيين في أوسع جبهة وطنية ديمقراطية”، و”توفير المناخ الملائم للسير الجاد في طريق الحل السياسي وفقًا لبيان جنيف 1، ومقررات الأمم المتحدة ذات الصلة، لإنجاز التغيير الجذري لنظام الاستبداد والفساد القائم وبناء دولة مدنية…”، وكان من الممكن لهذا المؤتمر أن يبرز على أنه هوية جدّية تبحث في الحل السوري كما أشار بيانه، ولا سيّما أن القائمين عليه ضالعين في المسألة السياسية والدولية، ولم تبرح شخوصه قناة “الميادين” في مناقشة المسألة السورية، الديمقراطية السورية، الوطنية السورية…! ويُضاف إليها تحدٍّ علني بأن يثبت أيّ شخص أنّ أيًا من المشاركين قد حضر المؤتمر بتمويل ما غير شخصي!

في الديمقراطية تجيز اللغة حرية التعبير وحرية الرأي والرأي الآخر وحرية المنبر، ولكن لماذا يتم اللقاء في جنيف؟ ولماذا لم يكن في موسكو أو القاهرة أو أستانا أو في الحسكة؟ كما درج منظمو المؤتمر على لقاءاتهم السابقة وتحالفاتهم السياسية المنفكة من حلقة إلى حلقة؛ فبدأَ من هيئة التنسيق للتحالف مع الأكراد، لتشكيل تيار قمح وحضور مؤتمر جنيف 3 كمبادرة مدنية مستقلة بعد رفض حضور الأكراد حينها، لإصدار كتاب في ظاهرة “الأبوجية” وإعلان الطلاق مع التحالف الكردي، وصولًا اليوم إلى مؤتمر لكل “السوريين” في الديمقراطية والوطنية! كيف لا وقد أشار البيان بوضوح إلى “مسؤولية المجتمع الدولي في أن ينظر بموضوعية إلى واقع تنوع مكونات المجتمع السوري، والدور الرئيس للتيارات الديمقراطية في تحقيق تطلعات الشعب السوري في الحرية والعدالة والتقدم ومساهمته الفعالة في توطيد السلم والاستقرار في المنطقة والعالم”. وكأن السوريين لم يقوموا بثورة للتغيير، ولم يكونوا جادين في حل استعصاءاتها السياسية، الثورة التي لم يأت على ذكرها البيان! وأصر على استخدام كلمة الديمقراطية ثمان مرات على الأقل، ليعلن للجميع أنه ديمقراطي، وديمقراطي لا باطني في السياسة يرمي من خلفها إلى خلاف ما هو معلن؟

تأمّل السوريون أن يأتي في بيان تجمع وطني ديمقراطي، في مقدمته، أن يأخذ المجتمع الدولي مسؤولياته تجاه تهجيرهم الممنهج واللعب بخارطتهم الجغرافية، وأن تتصدر موضوعاته قضايا مئات آلاف المعتقلين والمغيبين، على أقل تقدير، وأن السوريين ليسوا إرهابيين أو حواضن للإرهاب، فتاريخهم معروف بالاعتدال والتنوع، ولم تكن ثورتهم ضد نظام الاستبداد والجريمة والعقاب إلا للوصول بمقدراتهم الذاتية إلى دولتهم الوطنية التي دفعوا ثمنها الغالي والنفيس طوال ستة أعوام مضت.

حقيقة الموقف السياسي لكثير من الفعاليات السورية السابقة، والناشئة اليوم، هي الرغبة في الاستثمار بالمسألة السورية فيما يتوقعون أنه قراءة “صائبة” لما ترمي له السياسة الأميركية وخارطة التفاعلات الدولية الروسية والإقليمية فيها، يركبون موجتها مستبقين بذلك تطور مشروعاتها ليكونوا في مقدمة الركب الحاصل على جائزتها! وربما لهذا السبب اختاروا جنيف هذه المرة بدل أستانا؟ وحيث أنه ليس عيبًا أبدًا استبطان ما تنوي له السياسة الأميركية وقراءتها بدقة، فربما هو موقف سياسي متقدم، لكن الملفت والغريب في الأمر هو ألا تُقدّم كثير من هذه الفعاليات الأخذ بناصية المشهد ومصارحة الشارع السوري بما ينوون بالفعل وتكون مرجعيتهم وبوصلتهم نبض الشارع السوري وحاجياته لا ما ترمي له السياسة الأميركية سواء كان خيرًا أم شرًا، وهم طالما وصموا باقي أطياف المعارضة السورية، وشعبها أيضًا، بالارتهان للخارج وقراراته!

العجيب، في أمر بعض “مثقفينا” السياسيين، هو قدرتهم استخدام “الباطنية” مذهبًا مُستحدثًا في السياسة بعدما كان منهجًا دينيًا يعتمد التأويل والباطن والظاهر من اللغة، يقول فيها محمود عكام في الموسوعة الإسلامية الميسّرة إن لها معنيين: “أحدهما ظاهر يفهمه الناس بواسطة اللغة، وبمعرفة أساليب الكلام، والثاني باطن لا يدركه إلا الذين اختصهم الله بهذه المعرفة”، وتبدو مسألة اللغة في علوم السياسة وإخراجاتها باطنية من نوع آخر، مفادها آليات قراءة الحدث ومتغيراته واستثماره السريع أيًا كانت نتائجه!”، فمنذ بدء ثورة الشعب السوري إلى اليوم نجد أن عددًا ممن يتقنون حرفة الباطنية هذه دأبوا على اللعب في علوم اللغة والألسنية لتمرير مشروعاتهم السياسة وتمويلها، ولا سيّما أن الساحة السياسية تسمح بالمأجورية والاستخدام إلى ما لا نهاية! وربما كان على السوريين التعامل مع مذاهبهم السياسية هذه بالمحكات العملية لو أنه فقط ميدان تنافس سياسي حر ومفتوح، لا أن يكلفهم دماء الآلاف ومئات الآلاف من أبنائهم ودمار مدنهم وتهجيرهم وتبدلهم الجغرافي! فمحاربة الإرهاب وما يوازيه من تبنّي المنهجية الديمقراطية والعلمانية وما تلاها من سلال اللغة التي لا يختلف عليها عاقلين أثنين، كانت ذريعة النظام إلى اليوم وما استقدمه من خلفه من ميليشيات وقوى إقليمية وعالمية، تُدمّر وتحرق في شعبه وثورته، وكله تحت غطاء وحجة الإرهاب وصيانة الديمقراطية الزائفة!

اللغة بيان وإفصاح، ودلالة ومعنى، اللغة حمّالة أوجه وتعيينات، وهي ليست كلمات مرصوفة بجانب بعضها البعض تنتظر من يعيد ترتيبها، بل هي اليوم موقف سياسي من تركة دمٍ كبرى، لا مجال للمخاتلة واللعب والتخفي فيها خلف المعنى! وليحذر كل منا من كلماته كما كان يردد إلياس مرقص، فالموقف السياسي ما لم يكن على قدر الكلمات سينتج الوهم، ويُكرّس العدائية والكراهية تجاه مفردات اللغة، بحيث لا تصبح شعارات الديمقراطية والعلمانية التي حلم بها السوريين، كل السوريين، شبابهم وكهولهم، لعنة عليهم تحملها قنابل الطائرات فتقتل أطفالهم، وتقتلعهم من مدنهم، والديمقراطية والعلمانية في الأصل براء من هذا كله، إنما هي لعبة اللغة والمصالح المختبئة خلف حروف العلة، والسبب والمسبب والأغراض المستبطنة للاستثمار في أبشع صوره.

الباطن، في مقابلة الظاهر، والباطنية هم الذين يخفون خلف كل ظاهر باطنًا مضمرًا، والسوريون قد ألفوا بواطن العمل السياسي وظواهره، ولم تعد تفاجئهم أبدًا مصائرهم وما تتجه إليه مساراتهم، فليأتمروا أينما أرادوا وليستخدموا من اللغة ما أحبوا ورغبوا، ستبقى الديمقراطية نتاج ثورة الشعب ودمائه وعذاباته، ولن تكون أبدًا نتاج تفهّم المجتمع الدولي لهذا أو ذاك من أحلام المضمر والمختبئ في نفوس البعض، التي نرجو ألا تكون أمارة بالسوء، وأقل ما يُقال فيها، ما هكذا تورد الإبل، ولا هكذا يكون استبطان السياسات وقراءتها، فإن لم تكن قراءة في الإفصاح والوضوح مع وجدان الشارع ستنقلب على أصحابها أولًا، وتحيل إلى باطنية سياسية بعيدة كل البعد عن الوطنية والديمقراطية المزعومة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق