مقالات الرأي

زمن ترامب: عنوان جديد للمسألة السورية

لا يريد أحد أن يصدق أنّ الولايات المتحدة الأميركية تحولت فجأة إلى نصير للشعوب المستضعفة، ولا سيّما أننا نستعيد ذكرى غزوها العراق، في مثل هذه الأيام من عام 2003، وما آلت إليه الأوضاع في بلدٍ تخلّص من ديكتاتورية؛ فصار نهبًا لأنواع جديدة من الديكتاتوريات الفاسدة وميلشياتها الطائفية التي بدّدت مقدرات البلد النفطي الثري، وحوّلته إلى متسوّل أمام باب صندوق النقد الدولي، وأخطر من ذلك أن الولايات المتحدة الأميركية كانت قد فتحت أبواب العراق المؤصدة، في إبان حقبة الديكتاتورية الصدّامية، أمام إيران؛ فتحوّلت بلاد الرافدين إلى أحد المشروعات المنجزة، بالنسبة إلى المشروع الإيراني الذي يسعى للتمدد والهيمنة، في مخطط استعماري يحاكي الماضي السحيق للإمبراطورية الفارسية، ويثأر من دول المنطقة، وبخاصةٍ دول الخليج العربي، ويلوّح بقبضته مهدِّدًا بأنه لن يلبث أن ينقض عليها، فهي التي كانت سببًا في انكماش ذلك الحلم الإمبراطوري وتبدّده قبل عقود طويلة.

وإن كانت الضربة الأميركية على مطار الشعيرات العسكري، قرب مدينة حمص في سورية، قد أثارت ما أثارته من ردات فعلٍ بين المؤيدين لها، كونها ستساهم في التخفيف عن المدنيين السوريين الذين تركوا وحدهم طوال سنوات يتلقون أطنانًا من القذائف والبراميل المتفجرة، والأسلحة الكيميائية بمختلف أنواعها، وبخاصة أن الضربة الجوية الأميركية جاءت بعد مجزرة بغاز السارين ارتكبتها طائرات النظام، في مدينة خان شيخون في محافظة إدلب، راح ضحيتها عشرات الضحايا، وكانت طائرات النظام قد انطلقت من تلك القاعدة تحديدًا، وتقول واشنطن إن بحوزتها ما يكفي من الأدلة التي لا تؤكد تورط النظام فحسب بل تورط حليفته الرئيسة روسيا في المجزرة التي حركت عواطف الرئيس ترامب، وجعلته يخطو هذه الخطوة التي لم تكن في الحسبان، ولا سيّما أنها جاءت بعد أيام فقط من تصريحات أميركية، رأى فيها المعلّقون تغيرًا في الموقف الأميركي، إذ إن واشنطن قالت، حينئذٍ، إن إسقاط الأسد لم يعد من ضمن أولوياتها.

المعارضون لذلك “العدوان الأميركي الهمجي” -كما وصفته وسائل إعلام مؤيدة للأسد- رأوا فيه عودةً للقرصنة الأميركية، ولم يبخلوا على جمهورهم بالتذكير بما حلّ بالعراق، وأفغانستان، بل وحتى بفيتنام، ولم يمانعوا من استعادة فصول مطوّلة من التاريخ الأميركي القائم أصلًا على الهمجية والإبادة، بدءًا بالهنود الحمر، مرورًا بهيروشيما وناغازاكي، وكلّ هذه الحوادث حقيقية ولا يمكن إنكارها، بل إن ثمة بين الأميركيين من يصرّ على ضرورة التخلي عن تلك “العنجهية” والتعالي، وأن تكون بلادهم دولة تنشر السلام في العالم، لكن أولئك المعترضين أنفسهم لم تُسمع أصواتهم من قبل، حين كانت الطائرات الروسية والميلشيات الطائفية الموالية لإيران تستبيح المدن والمناطق السورية، فترتكب المجازر كل يوم تقريبًا، بل إنهم شكّكوا، بأدلة سخيفة قدموها، في أن يكون أولئك الضحايا، ومعظمهم من الأطفال، الذين قُتلوا في مجزرة خان شيخون قد ماتوا أصلًا، واعتبروا الموضوع برمته تمثيلًا، ومسرحية رخيصة ارتكبتها عصابات “القبعات البيضاء” هكذا حرفيًا، وتباكوا على الجيش السوري متناسين أن ذلك الجيش نفسه قد تحول إلى أداة بيد النظام؛ فخلّفت حربه على الشعب حتى الآن ما يزيد على نصف مليون قتيل، فضلًا عن الدمار الهائل في كل شيء.

هذا الاختلاف، في التعاطي مع الموضوع السوري، ليس جديدًا، وهو يتكرر كل مرة تقريبًا، لكننا هذه المرة أمام تحوّل كبير، كما يبدو حتى الآن على الأقل، يعيد رسم خرائط النفوذ، ويعيد الولايات المتحدة إلى الواجهة بعد أن ارتضت في إبان حكم الرئيس أوباما أن تكون متفرِّجة، أو في أحسن الأحوال لاعبًا ثانويًا، وهو يضع روسيا التي كانت تبدو ممسكة بخيوط اللعبة كاملة في موقف حرج، ولا سيّما أن الإدارة الأميركية، على أعلى مستوياتها، لم تستبعد تورط موسكو في المجزرة الكيمياوية التي ضربت خان شيخون، وهذا سيؤدي إلى توتر حاد بين البلدين، بعد أن توقع كثيرون أن تكون إدارة ترامب منقادة وراء المشروع الروسي، نظرًا إلى التسريبات الكثيرة التي  ربطت ترامب ببوتين، فضلًا عن تصريحات ترامب شخصيًا التي أبدى فيها تأييده وإعجابه بالرئيس الروسي، لكن الأهم من كل هذا، من وجهة نظرنا، هو إيران، فدولة المُرشد التي رأت، بعد احتلال حلب تحديدًا، أن الأمور صارت في يدها، وأن سورية باتت جزءًا يكمل مشروعها العراقي الممتدّ إلى لبنان، تصطدم اليوم بعقبة، ربما لم تكن في الحسبان، فالرئيس الأميركي يضع الدول المارقة، ومن بينها إيران وكوريا الشمالية، على طاولته، ويفكر في كيفية تأديبها، ولعل هزيمة ميلشياتها في سورية سيعيدها خائبة، كما أن إبعاد بشار الأسد عن رأس السلطة في سورية، وهو الذي فتح لها الأبواب واسعة، سيدفن أحلامها، وسوف يساهم بكل تأكيد في تقليم أظافرها الطويلة التي تحلم بأن تنشبها في المنطقة.

يؤلمنا كثيرًا أن تقوم طائرات أميركية بقصف قاعدة عسكرية سورية، لكن ما يؤلمنا أكثر هو أن تلك القاعدة الجوية، وشأنها شأن سواها من القواعد والثكنات العسكرية التابعة لنظام دمشق، مصدرُ خطر كبير على عشرات آلاف المدنيين الذين يواصلون الموت من دون أن يقف أحد إلى جانبهم، وربما حان الوقت ليتوقف هذا النزيف السوري… بيد ترامب أو بيد سواه. لكن ما نخشاه هو أن يكون ساكن البيت الأبيض مجرد عنوان جديد، يضاف إلى عناوين المسألة السورية.

مقالات ذات صلة

إغلاق