مقالات الرأي

هدر “كرامة الحقيقة” في سورية

“كرامة الحقيقة”، عمومًا، هي اصطلاح يدل على وظيفة الحقيقة وفاعليتها في المعرفة الفلسفيّة والعلميّة، وإنتاج البشر الاجتماعي/ السياسيّ لوجودهم. أما، خصوصًا، فإنها ترتبط بتأثيرات تأتي من جهتين: أولاهما – تأثيرات ثورة الحريّة والكرامة السوريّة على مفهوم الحقيقة؛ لما تحمله من جديد يتعلق بالكرامة، ولأنها لا تقتصر على كرامة الشعب السوريّ فحسب، بل تتعداها لتطال “كرامة الحقيقة”؛ فتُعلي من شأنها بتحديها حقيقة الاستبداد والإرهاب القائم. وثانيهما هو تأثيرات “الكذب الفاقع” الواضح والمستمر المخالف للحقيقة والمعتدي على كرامتها، وهو الذي يمارسه “النظام السوريّ” بمشاركة حلفائه/ أسياده من الروس والإيرانيين والميليشيات؛ الأمر الذي يطرح مشكلة الحقيقة على بساط البحث والتفكير من جديد؛ لما يرافق هذه التأثيرات من اعتداء وانتهاك وهدر لكرامة الحقيقة للمحافظة على الاستبداد والإرهاب.

إنهم يكذبون بشأن المخزون الكيماوي واستخدامه في الغوطة وخان شيخون، ويكذبون بشأن البراميل المتفجرة، ويكذبون في رواية المؤامرة والحرب على الإرهاب. والشواهد على أكاذيبهم كثيرة جدًا.

فقد بات هدر “كرامة الحقيقة” فعلًا يوميًّا في سوريّة، إنْ لم نقل إنه لحظيّ، ولا سيّما في سيرورة انتهاك كرامة السوريّ، أي سوريّ، وكرامة سوريّة كلها. وهذا أمر مستغرب؛ لأنَّ النظام ينتهج القتل والتدمير والتهجير، وينتهج الكذب لتبرير أفعاله الشنيعة. فبتنا أمام جريمتين: جريمة القتل والتدمير والتهجير، وجريمة الكذب بشأن القتل والتدمير والتهجير.

قال رأس النظام السوريّ، بشار الأسد، خلال مقابلته مع وكالة الأنباء الفرنسيّة، عن مجزرة الكيماوي في خان شيخون: “بالنسبة إلينا، الأمر مفبرك مئة في المئة”! إنَّ النظام يعتمد “نسبيّة الحقيقة” التي أنتجتها الفلسفة والعلم، لكيلا يتحمل مسؤوليته عن هذه الجريمة الشنيعة، من خلال الأكاذيب المفيدة له، تلك التي يتبعها باختلاقه لـ “الوقائع البديلة” من جهة، وبإخفائه الحقائق غير المريحة له، ويتبعها بنشره لـ “الأخبار الكاذبة” من جهة أخرى. يقوم النظام السوريّ بانتهاك “كرامة الحقيقة” المنتمية إلى كرامة الشعب السوريّ، استرشادًا بالمبدأ الذي نقده جورج أوريل “الأكاذيب المفيدة خير من الحقائق الضارة”!

الحقيقة ثمينة جدًا عند السورييّن؛ فهي التي تقلل الصورة الضبابية عندهم، وتُساعدهم في تحمّل المسؤولية عن الجريمة المرتكبة بحقهم، وتُخرِجهم من حالة الضياع التي يعيشونها. ومن هنا يقوم النظام وحلفاؤه بمحاصرة الحقيقة وتطويقها بكثير من الأكاذيب لطمسها وقلبها وتحويرها وإخفائها. وذلك باعتداء منهجيّ على الحقيقة وكرامتها التي تكمن في مسؤولية فاعلها، وفي تميزها من سواها، وفي عموميتها، وفي واقعيتها مع الوقت. فالواقع الحقيقيّ هو واقعان: واقع وقع وانتهى وبات حتميًا، وواقع لمّا يقع بعد وما زال احتماليًا. إن عدم تصديق ما وقع والكذب بشأنه هو انتهاك لكرامة الحقيقة واعتداء عليها.

كان لينين يقول: “الحقيقة وحدها ثوريّة”؛ ولذلك يعد طمسها والكذب بشأنها محافظةً على الوضع القائم ويعد رجعيّة أيضًا، ويصبح قول الحقيقة هنا فعلًا ثوريًا؛ إذ إن قيمة الحقيقة عند النظام السوريّ وحلفائه معدومة، والقيمة عندهم للكذب وحده.

عدم الاعتراف بالواقعة التي وقعت وبات وقوعها حتميًا من جهة، والتعاطي معها وكأنها احتماليّة لم تقع بعد، والكذب بشأنها وتزويرها وردها إلى الخصوم، لا يشي بانفصال عن الواقع حسب ما يتم الترويج له، بل على خلاف ذلك، يشي بالالتصاق بالواقع، وما تقديمهم للواقع، نسبيًا ولا موضوعيًا إلا لرفع الكذبة إلى منزلة الحقيقة. فمن يعرف مغزى الواقع ونتائجه المرتقبة والمتوقعة، سيلجأ إلى الكذب للتهرب من مسؤوليته عن هذا الواقع وما يترتب عليه من كون الشخص مسؤولًا مسؤولية فرديّة عن فعله وخياراته. أما تصوير المسؤول عن الحقيقة الواقعة على أنه منفصل عن الواقع أو مجنون أو أبله أو غير ذلك فإنه يُلقي المسؤولية والعقاب على الأفعال والأقوال في مهبّ الريح. بدعوى فلسفة نسبية الحقائق، وعدم موضوعيّتها، وكونها في سياق وذات بناء اجتماعيّ، يرفع النظام السوريّ رواياته الكاذبة إلى منزلة الحقيقة. إنَّه يأخذ آخر ما توصلت إليه الفلسفة والعلم في حقل الحقيقة ليمارسه بفجاجة ظنًا منه أنَّ هذه النتائج نهائية وأن الفلسفة والعلم لن ينتجان رؤى جديدة عن حقيقة تستند إلى أكاذيبه ومفارقاته.

نعم، الحقيقة غير محايدة، غير موضوعيّة، غير حتميّة، وتبنى بناء اجتماعيًا/سياسيًا، وهي افتراضيّة يقوم التطبيع بجعلها سائدة. ولكنها أيضًا، محايدة وموضوعيّة وحتميّة ومنفصلة عن الاجتماع/ السياسة، وتكون حتميّة بعد وقوعها. ومن المهم أن نعرف الحقيقة من نقيضها، وهو الكذب، فبضدها تتميز المقولات.

إنهم يرفعون الكذبة إلى مرتبة الحقيقة “في ليل تصير فيه كل البقرات سوداوات”. إنهم يساوون بين كون حقيقة من الحقائق سقطت على الأرض، وقعت وانتهت وباتت حتميّة، وبين كونها لم تسقط ولم تقع وما زالت احتماليّة. حتى إننا بتنا نتحمل نتائج القوّة ولا نتحمل الحقيقة والنتائج المترتبة عليها من كثرة أكاذيبهم!

اشتغل الفكر الفلسفيّ والعلميّ كثيرًا على تحديد الحقيقة وتعريفها ورؤيتها بمناظير مختلفة ومتعددة ومتغايرة. واستقرتّ في المعرفة أخيرًا توجهات ترى الحقيقة نسبيّة، وأخرى تراها غير موضوعيّة، وثالثة تراها افتراضيّة، بخلاف توجهات ترى الحقيقة مطلقة وموضوعيّة وحياديّة وحتميّة. ولكن، في المعرفة تتميز المفاهيم بضدها ويكون كلا الضدين من المعرفة؛ فالحقيقة تتميز بالأكاذيب وتتميز منها على الرغم من أن الحقيقة والأكاذيب كلاهما من المعرفة. وهنا لا يغرّنا تعاطي النظام مع الحقيقة بوصفها نسبيّة ولا موضوعيّة وافتراضيّة وكأنه يأخذ بآخر مقولات الفلسفة والعلم طالما أنه يتعاطى مع الحقيقة بمعزل عن الكذب. فما تكون الحقيقة بدون ضدها وبدون عموميّتها إلا اعتداء على كرامة الحقيقة.

مقالات ذات صلة

إغلاق