أدب وفنون

شرفةُ الطفل الذي يأكل البرتقالات

صندوق البيت هو الشرفة.

عندما يموتُ أحدُ أفراد العائلة، تحملهُ الشرفةُ على أكتافها، وتبقى حول القبر شابكًة الزهورَ بأصابعها أسبوعًا كاملًا.

حيوانُ البيت المدلّل، أو دميةٌ عاريةٌ، هي الشرفة.

كجسد امرأةٍ، تستلقي تلك الهندسة.

متاهةٌ لتضليلِ الفضيحة، هي الشرفة.

صراخكَ الآتي عبر الماضي، نقرَه طائرٌ، هذا الصباح، ألذلكَ حزمتَ حقائبكَ ولم تودع أحدًا؟

الكتابُ الذي قرأتَه فيما مضى ونسيتَ عنوانه، أصبح عالقًا في نظرات المارّة؛ المارّةِ القرّاء.

رسوماتٌ طائشةٌ، طائرات ورقيّة، حباتٌ لندى الضحكاتِ أو الدموع، مظلاًتٌ، خيوطٌ ملونة، ممحاةٌ، فردة حذاء مقلوب، خاتمٌ في منام مراهقة، سمّاعةُ هاتف، أعقابُ سجائر عليها بقايا أحمر شفاه، إبريق من الفخار، وردةٌ بلاستيكيّة، صورٌ بالأبيض والأسود.

أرتفعُ عن الأرض وأحلّقُ بمحاذاة الشرفات، أتذكر الشاعر لوركا: “إذا متُّ…. دعوا الشرفة مفتوحًة، فالطفل يأكلُ البرتقالات، وفي وسعي أن أراهُ من شرفتي”.

أترك جملة “لوركا”، مع نباتات غريبة، وأدخل شارعًا آخر.

قال لي طبيبٌ نفسيّ مرًة: القلق يمشي تلقائيًّا نحو الجهة الأضعف في جسدك.

مثل هذا الامتداد الذي يطلُّ علينا، لماذا تسحرني وتأخذني معها تلك الأسرار؟

ببساطةٍ لأنني أحتاجها، لأن الحنين يلسعني في دمشق.

نظرتي تخترق سور الشرفة، وتبني عشًّا من السّكر حول نبتة الأضاليا.

والشرفة في حاجةٍ إلينا، إنها تستند علينا نحنُ المارّة، غرباءَ كنّا أم أهلًا، نحن عكازُّها ومؤونتها وبيتُ سرها.

 

في الحنين يصيرُ حبل الغسيل المتدلي سريرًا.

في عزلة الشرفة، أضواءُ السيّارات إخوةٌ.

 

ما زلت مع لوركا أطفو فوق زقاقٍ غريب، الثراء فاحشٌ هنا، سقفٌ خشبيٌّ مستعارٌ يحجبُ الرطوبة عن جسدها الحقيقي، أضواء باذخة تُعتّم على المشهد، كرسيٌّ أبيض واسع. في حيّ “أبو رمانة”، الصقيع على الشرفات لا يأكلُ ولا يشرب ولا يربيّ حتى دبًّا قطبيًّا، إنه يعتني بما قالهُ الأمسُ في خطوط الفنجان.

لا أدري لماذا تذكرت نعيةً قرأتُها فيما مضى على حائط مستشفى ابن النفيس، في العيادات الخارجية، وقد حُجِبَ اسم المتوفى عنها، بسبب ورقةٍ أخرى، أُلصقت على عجلٍ، تقولُ أن مريضًا بحاجة ماسةٍ إلى من يتبرعُ لهُ بإحدى كليتيه، وفوق رقم الهاتف الذي تركه مريضُ الكلية، خربشَ أحدهم وكتبَ: سنموتُ كلنا بطريقةٍ أو بأخرى.

الصحون اللامعة على الحافة، بقايا السهر، والكسل الضجر المسحوب من ظلاله صوب السرير، تسكنُ ذلك البيت قصةٌ لم ينتهِ إليها شبحُ الحبّ.

أرجوحةٌ تلونُ وحشتها أزهارٌ زرقاء، عُلِّقت منشفةٌ فوقها عشوائيًّا، لا ورود في هذا المنزل سوى تلك الأزهار الزرقاء على قماش الأرجوحة، الأضواء مطفأةٌ، رجلٌ وحيدٌ يعيشُ في هذا البيت، ومن كوابيسه التي تأتيه كل يوم: حصانٌ من التوليب تقودهُ امرأةٌ.

في شارع الروضة، الشرفات كرسيٌّ هزازٌّ، يغني الأغنية ذاتها، تلك التي بدأت من السلالم وانتهت في الهواء.

البيوت المزروعة في المكان المرصّع نفسه، لها الأصابع ذاتها، وتملكُ جميعها النسخة المزيّفة من لوحة القبلة ل “غوستاف كليمنت”.

حدثَ أن فكرَّ أحدهم في الانتحار هنا، لذلكَ ربما ارتفعَ السورُ أكثرَ، ومشت على حوافه ملاقطٌ، لها شكل الدبابيس، يلمع تحت المطر الآن ملقط حديدي.

 

أشتري (العوجا) من عربةٍ مارّة، لقد تغيّرت تضاريس العالم الآن، المطر لا يسقط وحيدًا هنا، الشرفات تسقط أيضًا وتشتري معي (العوجا).

العربة شرفة البائع الجوال، يسوّرها بأصُصٍ من القرنفل والحبق.

الفقراء يأخذون معهم شرفاتهم أينما رحلوا.

 

حبال من البامياء تتدلى، جدائل الثوم المعقود جيّدًا، قرون الفلفلِ الأحمر، قطةٌ تسقي وردًة تتثاءبُ، أصُص من التنك، ومن البلاستيك، دلوٌ كان لشرب الماء صار الآن مكانًا لشتلة إكليل الجبل، سلال من القصب، فردة حذاء على حبل الغسيل وأخرى على الحافة.

كراسي خشبية، كراسي ملونة.

الشرفات هنا تنزعُ ملاقط الغسيل عن الحبل، لأن الملاقط بالنسبة لها ثيابٌ أيضًا.

في شارع العابد الشرفة تطبخ وجبة الغداء، المارةُ هنا ليسوا قراء فقط، إنهم من أفراد العائلة.

مَن يتوغل أكثر في ذاكرة الهواء؟

البيوت أم الشرفات؟

تقول الغيمة التي تمشي فوقي الآن.

 

“في شرفة الطابق السادس، هناك كان عليّ أن أعيش حياتي كلها”… ذكرتني جملة بول سارتر تلك بلحظات طويلة من الحب والغزل، على طريق مدرستي البحريّ، كنت أقضيها بصحبة شرفة قديمة، تكاد أن تنهارَ أرضًا من فرط قدمها، يزينها عجوزان كل صباح، ببخارٍ يتصاعدُ من ركوة القهوة، ويدخل البحر بصمتٍ ويغرق.

عندما جئت دمشق أولّ مرة، خطفت الأيادي المتسارعة في الشوارع يدي، الإيقاعات الغريبة بين المفارق، رأيت وجهًا آخر للطمأنينة غير مفتاح بيتنا البعيد، وتعلّمتُ للمرة الأولى أن المكان يستطيع القراءة والكتابة.

أقمتُ لثلاثٍ سنواتٍ في غرفةٍ بباب توما، سميتها الغرفةَ المائلة، ليسَ لأنَّ سطحها مائل نحو الأسفل، ولا لأن شبّاكها مثل مركب رامبو السكران، بل لأنها أخذتني إلى قصيدة الماغوط المفضلة لدي” الرجل المائل”، كنتُ امرأًة مائلًة في وسط باب توما، تصورني النجوم من شباكيَ الصغير مثلي مثل كل الشرفات الحالمة.

مقالات ذات صلة

إغلاق