مقالات الرأي

الأكراد السوريون في المحرقة

الضربات التركية، لمواقع حزب العمال الكردستاني في العراق وسورية، هي إنذار عسكري للأكراد؛ لينظروا جيدًا إلى مصالح تركيا والعرب معًا من ناحية أولى، ومن ناحية ثانية هي رفض حاسم للسياسات الأميركية والروسية المعتمدة على صالح مسلم في شمال سورية وتحرير الرقة. العرب يرفضون بأغلبيتهم الساحقة المشروعَ الأوجلاني في سورية، ويعدّونه لمصلحة النظام وروسيا وضد العرب أولًا، وهذا يدفع إلى خلق مصلحة مشتركة للأتراك وللسوريين في مواجهة الكرد. السؤال: هل يمكن للكرد مواجهة المصلحة المشتركة هذه؟ يبدو أن صالح مسلم ساعٍ لاستقدام حظرٍ جويٍّ أميركيٍّ شبيه بما فعلته أميركا بعد إخراج صدام حسين من الكويت، وبالتالي تأسيس حُكمٍ كرديٍّ شبيه بما حصل في شمال العراق؛ تمايزُ شمال العراق بأغلبيّة كرديّةٍ سَمحَ للحظر بإعطاء نتائج سياسية لمصلحة الكرد، ولكن أكراد العراق ظلوا غير قادرين على الاستقلال والارتباط بالعاصمة وبتركيا. الحالةُ السوريّة لا تُشبه الحالة العراقيّة لا من قريب ولا من بعيد؛ فالسوريون من مختلف الأعراق هم سكان الجزيرة، وبالتالي أي حل “كرديٍّ” يُفرض على الجزيرة سيُرفَضُ عربيًا وتركيًا.

الضربات التركية رسالة للأميركان أنفسهم كذلك كما قلنا، إذ لن يقبل الأتراك أبدًا بإقليمٍ كرديٍّ في سورية، وإن تجاهلهم للمصلحة التركية سيُفجر منطقة الشمال والشرق السوري في المستقبل. صمت العرب الآن وتواجد فصائل عسكرية عربية هامشية في قوات صالح مسلم، مهمتها الوحيدة الخلاص من داعش وليس الغرام في ديمقراطية المشروع الديمقراطي الأوجلاني. الصمت يتعلق بالخلاص من داعش بالتحديد، وهذا سيتم في الأشهر القادمة، وحينئذٍ سيُطرح السؤال مجدّدًا: ما هو مبرر وجود قوات كردية في شمال سورية؟

هذا السؤال، يجيب عليه النظام بأنّه ترك لقوات صالح مسلم سلاحًا وبلدات ليوظِّفها ضد الكرد المنخرطين في الثورة وضد الثورة. النظام دعم حزب العمال الكردستاني ضد تركيا وضد بقية الأحزاب الكردية في سورية، قبل الثورة بعقودٍ. بالنسبة للعرب، وليس للمعارضة ولا للفصائل، فإن مبرر وجودها سينتهي بمجرد الانتهاء من داعش. الخطوة الاستباقية لقوات سورية الديمقراطية هي طلبِ الحظر الجوي الأميركي مستغلين عودة أميركا إلى الساحة السورية، ولكن أميركا تطرح كذلك منطقة آمنة في درعا والقنيطرة والسويداء، وربما جزء من القلمون والبادية؛ وبالتالي قد لا يعارض الأميركان حظرًا جويًا لمصلحة الكرد، ولكن لن يكون الحال كما في العراق. الحالة المتردية للوضع العربي في سورية ربما تشجع مسلم لهذه الخطوات، ولكن ذلك سينتهي بدوره؛ كما أن التواجد الأميركي في شمال سورية، أو الروسي في غربها وجنوبها والوسط، سيُفرض على الكرد من غير المنضوين، وكذلك على العرب من غير المنضوين تحت الحماية التركية أو الروسية، التفكير مجددًا بمشروع وطني لكل السوريين، عربًا وكردًا وسريانًا وشركسًا وتركمانًا وآخرين هو ضرورة. أقصد أن التركيبة القومية للسوريين لا تسمح بوجود دول متعددة في سورية، وكما حصل قديمًا في رفض الدويلات الكردية والعلوية والدرزية ستُعاد الكرّة مجدّدًا.

على الرغم من كثرة المظالم الكردية في سورية تاريخيًا، فإن نحو مليون كردي قد هُجروا من سورية؛ بسبب سياسات صالح مسلم من ناحية، والخوف من داعش والمنظمات الجهادية كذلك، إضافة إلى أسباب اقتصادية أو للبحث عن سبل عيشٍ أفضل. صالح مسلم يُؤسس في كل مخططاته لعداوةٍ كبيرة مع العرب، سياساته المعادية للعرب، وليس للنظام، وندرة الانتقادات الكردية لتلك السياسات ستزيد من العداوة العربية الكردية مستقبلًا. مع مشروع صالح مسلم يمكننا القول إنّ عداوات، تتجاوز الحقل السياسي وتصل إلى الحقل الاجتماعي، تتأسس في أول مرة؛ وهذا خطر على مستقبل العلاقات القومية بين العرب والكرد.

العرب كما الكرد، معنيّون بالنهوض بمشروعٍ وطنيٍّ لصالح الجميع. الأميركان سيوظفون صالح مسلم لابتزاز تركيا وقوات بريّة ضد المختلفين معهم. وتركيا توظف الفصائل المنضوية تحت رعايتها خدمةً لمصالحها في سورية ولابتزاز الأميركان والروس والأكراد. الروس بدورهم يوظّفون ما تبقى من النظام من أجل تعزيز مصالحهم في سورية والمنطقة والعالم. إيران ذاتها (تأيرن) الشيعة في سورية وفي مختلف الدول العربية، من أجل مطامحها الإقليمية. إذن، في هذا السياق، يتم اللعب والتسييس بالطوائف والقوميات السورية لتوضع في مواجهة بعضها، وفي سياق ما فعله النظام والتنظيمات الجهادية والسلفية والبايادي منذ ست سنوات. الخطورة هي في هذا التسييس؛ فهو لا يقتصر على الجانب السياسي والعسكري، بل يتعداه إلى الجانب المجتمعي، ولهذا نكرّر بأنّ النهاية الحقيقيّة، للوضع المتفجر الذي سيتفجر تباعًا، تكون بواسطة مشروع وطني سوري يستوعب الجميع. الكرد السائرون نحو حتفهم ومحرقتهم بفضل السياسيات القاصرة لصالح مسلم، كما العرب، هم معنيون بقراءة الوضع السوري بأعين مفتوحة كما أوضحنا أعلاه.

الآن هناك “تحرير الرقة” بأيدي الكرد، وربما سيفرض الأميركان حظرًا جويًّا يُستدعى تباعًا، ولكن أيضًا هناك وقائع، لا تسمح باستمرار الحظر الجوي كما في العراق، فأميركا وروسيا ستتفقان على سلطة واحدة، تشمل سورية، وفيها مناطق نفوذ لكلٍّ منها بالتأكيد؛ وبالتالي سيرى السوريون، في قابل الأيام، أن الكرد “خانوهم” وزادوا الطين بلّة عندما أداروا الظهر لباقي السوريين. ما يُحاصِر هذه النزعات والحروب الممكنة مستقبلًا، هو مشروع وطني يعترف بالتمايز القومي، في إطار دولة لا مركزية، ويرفض كل تمايُزٍ طغيانيٍّ، بما يعيد للتنوع القومي خاصيّة الإغناء المجتمعي والثقافي واللغوي.

في سورية هناك شعب واحد، هو الشعب السوري، وفيه قوميات متعددة، ويجب مراعاة ذلك في كل المجالات، وغيرُ ذلك هو أضغاث أحلام. في تحرير الرقة أو في منبج أو في الحسكة وغيرها كما في باقي البلدات السورية، يجب التأسيس للمشروع الوطني، وما سوى ذلك، كما يفعل جيش صالح مسلم، يجعل الكُردَ محرقةً للصراع السوري-السوري، والسوري-الإقليمي.

مقالات ذات صلة

إغلاق