مقالات الرأي

التجربة التركية من منظار إسلاميينا

تطرح تجربة حزب “العدالة والتنمية” التركي، بوصفه حزبًا سياسيًا ذا خلفية إسلامية، تحديات كبيرة على تيارات وأحزاب الإسلام السياسي في البلدان العربية، إذ ثمة هنا حزب إسلامي يدير دولةً تنتهج العلمانية والديمقراطية، منذ عام 2002، وهو حزب ناجح، بمعايير التنمية وبناء الدولة وإدارة المجتمع، على الرغم من كل المآخذ عليه، إذ لا توجد تجربة سياسية فوق النقد، أو عصية على الأخطاء والمشكلات.

هكذا، نحن هنا إزاء تجربة مختلفة، ومغايرة للتجارب المحبطة في بعض البلدان العربية، سواء وصلت التيارات أو الأحزاب الإسلامية المماثلة إلى الحكم أو بقيت في المعارضة، إذ إن تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا انشغلت في بناء الدولة، وتنمية الاقتصاد، ورفع مستوى التعليم، وتحسين مستوى عيش المواطنين، في حين أنها انشغلت في البلدان العربية بالأيديولوجيا، وتنمية العصبية الطائفية، والميل للتشدد والإكراه.

المعنى أننا إزاء تجربة مغايرة وناجحة في تركيا، أولًا، لأنها أثبتت ذاتها ليس بالشعارات وإنما بمعايير إدارة الاقتصاد والمجتمع والسياسة، في مقابل إخفاق تجارب الإسلام السياسي في البلدان العربية على أكثر من صعيد؛ وضمنها إخفاقه في التكيف مع الشروط الموضوعية ومع تطورات العصر ومتطلبات الواقع. وثانيًا، لأن منطلقات حزب العدالة والتنمية التركي تختلف عن المنطلقات التي يتبناها الجسم الرئيس في التيارات الإسلامية العربية، المتمثلة بـ (جماعة الإخوان المسلمين)، لجهة النأي عن شعار: “الإسلام هو الحل”، وعن التطبيق الحرفي للشريعة أو القول بـ”الحدود” أو بـ”الحاكمية” أو بالخلافة. وثالثًا، لأننا إزاء تجربة لتيار إسلامي يقبل بالعلمانية وبالديمقراطية وبتداول السلطة، وتقديم نفسه بمعايير الإنجازات في المشاريع الاقتصادية ورفع مستوى التعليم والإنتاج، وهي ليست حال التيارات الإسلامية العربية التي لم تجد بعد طريقها إلى التصالح مع الواقع والعصر والعالم.

ولعل هذه التمايزات هي التي أدت إلى نشوء نوع من نظرة حذرة من قبل معظم التيارات الإسلامية العربية إلى تجربة مثيلها التركي، أو إثارة الشبهات حول صدقيته، أو إسلاميته. وعلى سبيل المثال فقد شهدنا، قبل سنوات، “الصدمة” الأولى للتيارات الإسلامية عندنا إزاء التجربة التركية، إبان زيارة أردوغان إلى مصر في أيلول/ سبتمبر 2011، وبرزت حينئذٍ تصريحاته عن المصالحة بين الإسلام والعلمانية، وهو الخطاب الذي استفز (الإخوان المصريين) إلى درجةٍ حملتهم على الرد عليه، ورفض أطروحاته، بدعوى أن ظروف مصر مختلفة، وقد وصل بعضهم حد نزع صفة الإسلامية عن العدالة والتنمية التركي.

وفي الحقيقة، كان أردوغان قد تحدث صراحة إلى البرنامج المشهور الذي كانت تقدمه منى الشاذلي في 12 أيلول/ سبتمبر 2011، بالقول إن “الدولة العلمانية لا تعني دولة اللادين، متمنّيًا وجود دولة مدنية تقوم على احترام جميع الأديان والشرائح في المجتمع في مصر. وأن العلمانية لا تتعارض مع الدين بل يجب عليها أن تتعايش معه، وأن معناها وقوف الدولة على مسافة متساوية من جميع الأديان، أما الأشخاص فلا يكونون علمانيين، يستطيعون أن يكونوا متدينين أو ضد الدين أو من أديان أخرى، فهذا شيء طبيعي”. أي أن هذا الشرح لاقى أذنًا من طين وأخرى من عجين عند بعض الإسلاميين، بدلًا من أن يتمعنوا في مثل هذا الطرح، أو بدلًا من أن يفتحوا عقولهم المغلقة والمتحجّرة.

هكذا، وعلى خلفية النجاح الذي حققه حزب “العدالة والتنمية”، في تجربته التركية، يمكن ملاحظة موقفين رئيسين، الأول، يحتفي بهذا النجاح، كأنه نجاح له، من دون أن يذهب أصحاب هذا الموقف إلى إجراء مراجعة نقدية لأحوالهم ومنطلقاتهم وتجاربهم، بالقياس على التجربة التركية التي يشيدون بها. أي أن هذا التيار معجب بالتجربة التركية لكنه عاجز عن تمثّلها أو لا يرغب في ذلك. والثاني يحتفي بالنجاح المتحقق لحزب العدالة والتنمية لكن بحدود، إذ يأخذ عليه قلة منسوب الدين أو الإسلامية فيه، بل إن البعض وصل إلى حدّ إخراج هذا الحزب من دائرة التيارات الإسلامية، لأنه يعترف بالعلمانية وبالديمقراطية وبتداول السلطة.

في المحصلة فإن ما يجمع وجهتيْ النظر هاتين، أن كل واحدة منهما لا ترى عجز التيارات الإسلامية العربية، وأنها لا تريد أن تدرس أو أن تتعلم من تجارب الآخرين، وفوق هذا أنها لا تريد أن تتفهم أنه في ظل الديمقراطية فقط، يمكن لكل التيارات أيًّا كان نوعها أن تتعايش، وأنه في ظل ذلك يمكن لحزب إسلامي ما أن يصل إلى السلطة حتى في بلد علماني، باعتبار أن النظام السياسي الديمقراطي يتأسس على التنوع والاعتراف بالآخر وتداول السلطة والفصل بين السلطات والمساواة بين المواطنين.

مشكلة الإسلاميين عندنا، من الذين يرفضون التجربة التركية، أنهم مرفوضون، بدورهم، من جماعات إسلامية أخرى أكثر تطرفًا، مثل (داعش) وجماعات القاعدة وجماعات السلفية الجهادية، إذ إن التطرف دوامة لا نهاية لها. ومشكلتهم أيضًا، أنهم لا يدركون أنهم لا يمتلكون تجربة يمكن التمّثل بها، وأن النماذج القائمة من الصومال إلى السودان إلى إيران إلى حزب الله إلى حماس في غزة، مرورًا بتجارب الجماعات الإسلامية المسلحة في سورية، لا تشكل نموذجًا يحتذى، بل إنها أضرت بصورة الإسلام وبمجتمعات المسلمين. مشكلتهم فوق كل ذلك أن كل جماعة إسلامية تدعي أنها التيار الصحيح وأنها تحتكر تمثيل الإسلام والمسلمين، بل إنها مستعدة لمقاتلة كل الجماعات الأخرى لفرض ذاتها.

مقالات ذات صلة

إغلاق