ترجمات

صحيفة فزغلياد: ترامب يفتعل “الأزمة الكورية” ليلعب مع الصين

 

التوتر حول كوريا يتراجع ” تراجع ترامب خطوةً إلى الوراء”، وحتى أولئك الذي كانوا البارحة، يخوِّفون العالمَ بحربٍ كبيرة، عبَّرَوا عن غبطتهم بهذا التراجع. وكانوا، في الأسبوع الفائت، قد أثاروا رعبًا لا مثيل له حول الأزمة الكورية، ووصل الأمر بالناس إلى مناقشة جادَّة حول إمكانية توجيه الولايات المتحدة الأميركية ضربةً إلى كوريا، وبالتالي بدء حربٍ نووية. أمَّا الآن، فتتراجع حدَّة المشاعر، ولكنَّ القضايا الرئيسة تبقى عالقةً، فما الذي جرى، ولماذا؟

عبَّر دونالد ترامب، في مقابلةٍ أجرتها معه قناة TMJ4، عن أمله بتسويةٍ سلميةٍ للأزمة الكورية الحالية، وقال مجيبًا عن سؤالٍ، يتعلَّق بوجود أسبابٍ للقلق لدى الأميركيين من إمكانية بدء حربٍ نووية بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة، بقوله:

“يجب القلق دومًا، فمن غير الواضح مع من نتعامل، سنرى ماذا سيحدث، الوضع غير سهلٍ أبدًا. آمل أنْ يكون زعيم كوريا الشمالية راغبًا بالسلام، فنحن نريده، وهذا يعني أنَّه سيكون هناك حلٌّ، ولكن علينا الانتظار لنرى ما سيحدث لاحقًا”. في واقع الأمر، يكون ترامب بكلامه هذا قد أكَّدَ عدم وجود نيَّةٍ لديه لضرب كوريا الشمالية، وهو الأمر الذي رفض القيامَ به في الأيام الماضية، وجاءت تصريحات مندوب الولايات المتحدة الأميركية الدائم في مجلس الأمن، نيكي هالي لتؤكِّد  هذا المعنى، إذ قالت:” نقول لكوريا إنَّ الولايات المتحدة لا تسعى  للمواجهة، وعليها ألا تحاول إثارتها أيضًا”.

أمَّا نائب الرئيس، مايك بنس، الذي يزور اليابان، فأجاب عن سؤال محدَّدٍ عن إمكانية المباحثات المباشرة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية قائلًا:” أعتقد ليس الآن”.

وبالطبع، أصبح أكثر الأخبار إثارة للجدل ما نشرته صحيفة The New York Times عن توجُّه مجموعة السفن الحربية بقيادة حاملة الطائرات “كارل نيلسون” ليس صوب شواطئ شبه الجزيرة الكورية، بل في اتجاهٍ آخر. فقد كان من المخطَّط أن تشارك المجموعة البحرية الأميركية، بقيادة حاملة الطائرات المذكورة، في تدريبات مشتركة مع القوات البحرية الأسترالية في المحيط الهندي، بينما أعلن البيت الأبيض أنَّ وجهتها إلى الشواطئ الكورية. وجاء اللغط بسبب تحديدٍ غير دقيق لوجهتها، أعلنه البنتاغون على عجل. حتى إنَّ تصحيح الوجهة اللاحق الذي قام به البنتاغون ذكرَ أنَّ حاملة الطائرات ستصل إلى شواطئ شبه الجزيرة الكورية الأسبوع القادم، لم يغيِّر شيئًا- فقد انتشرت تعليقاتٌ ساخرة بحقِّ الولايات المتحدة كلّها، وبحقِّ ترامب نفسه.

لم يقتصر الأمر على الكوريين الشماليين وحدَهم، فقد صرَّحوا أنَّ المعلومات الكاذبة حول مسير حاملة الطائرات تؤكِّد أن الولايات المتحدة الأميركية “تراوغ عندما تتحدَّث عن عمل استباقي ضدَّ كوريا الشمالية”، بل تعدَّاهم إلى اليابانيين والصينيين.

من جهةٍ أُخرى، صرَّح مرشح الحزب الحاكم إلى الانتخابات الرئاسية في كوريا الجنوبية، هون جون بهي،  “من غير المفيد التصريح عن مكان تواجد حاملة الطائرات الأميركية، قبل الحصول على معلوماتٍ دقيقة، بيد أنَّ لتصريحات ترامب أهميَّة كبيرة، بالنسبة إلى الأمن القومي لكوريا الجنوبية، وإذا ثبت أن هناك كذبًا فإنَّ كوريا الجنوبية لن تصدِّق الولايات المتحدة بعد الآن.”

وجدت خطوة ترامب التي قام بها إلى الوراء الكثيرَ من التفسيرات التي تراوحت بين القول إنَّ اليابانيين أو الكوريين الجنوبيين تمكَّنوا من إقناعه بالتراجع عن ضرب كوريا الشمالية، إلى القول إنَّ صلابة لهجة بيونغ يانغ أعادت واشنطن إلى رشدها. ستكون هذه التأويلات رائعةً لو أن لدى ترامب بالفعل نيَّةً لضرب كوريا الشمالية. لم يكن لدى ترامب مثل تلك المخططات، وهذا ما أكَّدته مسار الأحداث كلها وليس قصة “كارل نيلسون” الساخرة وحدها. يتضح من كلِّ ذلك، أنَّ ترامب كان يسعى وراء أهدافٍ أُخرى، فهل يستطيع بلوغها؟

نذكِّر أنَّ الأزمة الكورية احتدَّت في 8 نيسان/ أبريل، بعد معرفة مسار حاملة الطائرات، وبعد يومٍ من ضربة مطار الشعيرات السوري، بالنسبة إلى الضربة على سورية، فقد نُفذِّتْ أثناء زيارة الرئيس الصيني، شي جين بينغ، للولايات المتحدة الأميركية، وقد أخبر ترامب الزعيمَ الصيني عن ضربة صواريخ “توماهوك” في أثناء تناولهم الحلوى بعد الغداء، وذكرَ، في مقابلةٍ لاحقة، أنَّه راقب ردَّة فعل الرئيس الصيني على النبأ بانتباه.

طلب الرئيس شي من المترجم تكرار ما قاله ترامب، ومن ثمَّ علَّق بأنَّه يوافق على عدم جواز استخدام الأسلحة الكيماوية، وإن كانت حقيقة أهداف الضربة الأميركية على سورية لم تكن واضحةً لحظة وقوعها، كتغيير أجندة السياسة الداخلية الأميركية، والتخلُّص من صورة (المرشَح الروسي)، أو اللعب مع الصين، فإنَّ أحداث الأيام التالية أظهرت أولويات ترامب.

حقيقة أنَّ ترامب راح يتلاعب بالمسألة الكورية تدلُّ على أنًّ الصين أصبحت على رأس قائمة أولوياته، وجاءت الضربة على سورية وتهديدات ترامب العنيفة “إن لم يعرف الصينيون كيف يتصرفون فإنَّنا سنتعامل مع كوريا الشمالية” في إطار لعبته مع الصين. فكوريا الشمالية، في حقيقة الأمر، لم تُقلق ترامب، بالضبط كما لا تقلقه سورية أو أوكرانيا. ما يقلقه بالفعل هو العلاقات مع الصين، وللضغط على الصين، اختار الموضوع الكوري وراح يهدد ويتوعَّد كوريا الشمالية.

فهل كان ترامب يدرك أنَّه لا يمكن إخافة المارشال كيم، وأنَّه لا أمل في أنْ يتراجع عن التجربة الصاروخية، والأهم عن البرنامج النووي؟ إذا كان لديه مستشارون جيدون، فالجواب، بلا شك، نعم. وهل كان ترامب يدرك أنَّه ليس بمقدور الصين أنْ تأمر كوريا الشمالية؟ بالطبع. وهل كان ترامب يعرف أنَّ الصين لن تقوم بتضييق الخناق على بيونغ يانغ إرضاءً لواشنطن؟ بالتأكيد، نعم. إذًا ما الذي كان يرمي إليه ترامب؟ الرئيس الأميركي يسعى للحصول على الاحترام والاعتراف من جانب شي جين بينغ!

بالطبع، ساهمت الضجَة الخطابية التي أثيرت حول كوريا في حلِّ مهامٍّ سياسيةٍ داخلية تهمُّ ترامب؛ فقد أظهر للأميركيين أنَّه أكثر صلابةٍ من “أوباما الضعيف”، كما نجح في حرمان مؤسسات الإعلام التي يهيمن عليها الليبراليون من إمكانية الاستمرار في حملتها على “إدارة ترامب الفاشلة والمفتقرة للمواهب”. فهل نجح في دعم صورته في عيون الزعيم الصيني؟

من جانبٍ، شاهد “شي جين بينغ” أنَّه بإمكان ترامب تنظيم حملة علاقاتٍ عامة، وأنَّه لا يخشى بثَّ الرعب في نصف سكان الأرض لإحداث التأثير المطلوب. ومن جانبٍ آخر، لم يصدِّق الصينيون في البداية أنَّ بمقدور ترامب توجيه ضربةٍ على كوريا الشمالية- أقلَّه لأنَّهم لم يكونوا يعدّونه مجنونًا؛ ولهذا تصوروا أن جوهر لعبة ترامب واضح لهم وضوح الشمس- وهكذا بالضبط فهمها فلاديمير بوتين. لسان حال بوتين كان يقول لترامب، نعرف أنَّك مستعدٌّ لاتخاذ إجراءاتٍ قاسية لخلق ظروفٍ تلائمك، ولكنْ لن يكون لها تأثيرٌ جديٌّ علينا، لأننا نفهم لعبتك. لهذا السبب، لم يدلِ بوتين، طوال الأزمة الكورية، بأيَّ تصريح، تاركًا لبكِّين التي أُطلقت اللعبة من أجلها، أمْرَ الجدل مع الولايات المتحدة الأميركية.

دخلت الصين عن قصدٍ اللعبةَ الأميركية لتوتير الأوضاع، إذ تحدثت عن خطر الحرب، وعبَّرت عن القلق من ارتفاع حدَّة المشاعر، داعيةً كوريا الشمالية والولايات المتحدة الأميركية إلى ضبط النفس، وفي الوقت نفسه، حذَّرت بقوةٍ من أنَّ أولئك الذين يحرِّضون على الحرب لن يخرجوا منها منتصرين، وكان التحذير موجَّهًا إلى الولايات المتحدة الأميركية بالطبع.

لم ينجح ترامب بانتزاع تنازلاتٍ من الصين في المسألة الكورية، وستُظهر الأيام القادمة كيف ستنعكس الأزمة الكورية الحالية على علاقاته بالزعيم الصيني “شي”. وبكلِّ تأكيدٍ، توصَّل فلاديمير بوتين إلى نتائج محدّدة َمن مناورة ترامب. على الصعيد النفسي، سيتصرَّف الزعيمان الروسي والصيني بطرقٍ متباينة مع ترامب، أما استنتاجاتهما السياسية فستكون متشابهة.

سيكون الاستنتاج الأهمُّ، من بين الاستنتاجات، أنَّ تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين موسكو وبكين سيخضع لاختباراتٍ جديدةٍ تمامًا، فخدعة ترامب -هي شكلٌ من أشكالِ تغليف سياسته الجديدة تجاه موسكو وبكين- وبشكلٍ أكثر تحديدًا، تعود الولايات المتحدة إلى تلك السياسة القديمة المنسيَّة التي يُعتقد أنَّ هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأميركية الأسبق، هو من ابتكرها في سبعينيات القرن العشرين، وقامت على مبدأ تقارب الولايات المتحدة الأميركية مع الصين. والآن، كيسنجر يقدِّم المشورة لترامب، وربما قد يكون شرح له أنَّه من الضروري، بالنسبة إلى الولايات المتحدة، أنْ تستعيد المبادرة في العلاقات القائمة بين أضلاع المثلَّث الذي تشكِّله كلٌّ من الولايات المتحدة، روسيا والصين، وأنَّ على ترامب أنْ يبذل كلَّ جهد ممكن لتكون العلاقات الثنائية بين واشنطن وبكين وموسكو أفضل من العلاقات بين الروس والصينيين.

لن تردع الأميركيين حقيقةُ وصول التقارب الروسي- الصيني إلى درجةً عاليةً، أصبحت عندها حظوظ الولايات المتحدة بأنْ تكون الزاوية الأهم في المثلث شبه معدومة. إضافة إلى ذلك، يمكن أن تساهم خدعة ترامب العدوانية بتقاربٍ أكبر بين بوتين وشي. فقد ظهرت قبل أيامٍ مقالةٌ في صحيفة”هوانغ تسيو جيباو”، تقول:” يجب أنْ تصبح العلاقات الروسية – الصينية غير قابلةٍ للزعزعة”. وكرَّست المقالة حديثها عن العلاقات بين الدول الثلاث:

“من الواضح أنَّ واشنطن تحاول السيطرة على كامل المثلث الصين- روسيا- الولايات المتحدة الأميركية. ومن الضروري في هذا الوضع الحفاظ على صلابة وقوة هذه العلاقات الثلاثية. يعود سبب ظهور التطور الديناميكي للعلاقات الروسية – الصينية، في السنوات الأخيرة، إلى الضغط الذي تمارسه الولايات المتحدة الأميركية والغرب على البلدين، ولكنَّ نتائج هذا التطور الديناميكي خرجت عن إطار النموذج الجيو- سياسي المعهود. وقد شعرت بكين وموسكو بأهمية العلاقات الصينية- الروسية، وكذلك التفاعل والشراكة الاستراتيجية الشاملة. أصبح التطور اللاحق في العلاقات “عادةً استراتيجية” في البلدين. وأصبحت هذه العلاقات بالنسبة إلى الصين وروسيا غير مرتبطةٍ بالسياسة الخارجية للدول الأخرى، وغدت نشاطًا استراتيجيًا.

على الطرفين الحرص على استقلالية علاقاتهما الثنائية وعدم السماح بأيِّ حالٍ بالخضوع للتغيُّرات التي يدفعها إليها العامل الأميركي وقوانين “تنافس السوق”. يتطلَّب التفاعل الاستراتيجي بحثًا دؤوبًا عن نقاط استنادٍ جديدة، وتخطي العوائق المؤقتة. وعندما تحدث تغيُّرات جديَّة على الساحة العالمية، يصبح من الضروري لروسيا والصين تعزيز علاقاتهما والروابط بينهما، وكذلك ضمان التعزيز المستمر للتفاعل الاستراتيجي”.

إذا أصبحت هذه، بالتحديد، النتيجة الرئيسة “للأزمة الكورية”، فسيكون ما حصل عليه ترامب هو عكس ما أراد.

 

اسم المقالة الأصلي Трамр устройл Корейский кризис ради игры с Китаем
اسم الكاتب بيتر أوكوبوف
مكان النشر صحيفة فزغلياد
تاريخ النشر 19-04-2017
رابط المقالة https://vz.ru/politics/2017/4/19/867011.html
ترجمة سمير رمان

مقالات ذات صلة

إغلاق