أدب وفنون

عندما استُدرج عناصر الأمن إلى حاويات القمامة

لم أحتج على قرار زوجتي، بضرورة التخلص من هذا الإرث الثقيل والمرعب الذي تراكم في المنزل، خلال عقد ونيف من الزمن. أكداس من الورق في السقيفة، وتحت عنابر الكنبات، وفي خزن الملابس، منشورات لأحزاب كردية وسورية معارضة، ومقالات من صحف عربية ممنوع تداولها في سوريا، فضلًا عن الكتب المنسوخة بطريقة الفوتوكوبي.

كان لدينا شعور متبادل بأننا بتنا في دائرة الخطر، وأن عملية حرقها، في مدفأة الحمام، لم تعد ناجعة، مع تصاعد شكوك الجيران حول كميات الدخان والهباب الذي كان يملأ سطح البناء؛ كلما أتلفنا جزءًا منها. جاءتني الفكرة لماذا لا أتسلى بها. شرارة برقت في ذهني، لحظة ملل وضجر قاتل، ولكن كيف يمكن أن أتسلى بإرثٍ قد يكلفني الكثير؟

لم تصدّق زوجتي جنوني، عندما قلت لها: سأحمل كلّ فترة جزءًا صغيرًا من المطبوعات، وأرميها عند حاوية القمامة القريبة من المنزل! في منتصف الليل أصل إلى الحاوية، عبر الشوارع الفرعية، وأفُرغ محتويات الكيس بالقرب منها، أنثرها يمينًا وشمالًا، وفي اليوم التالي أراقب المشهد عن بعد.

لم تتشجع للفكرة. قالت بالحرف: إنك، أحيانًا، تفكر بشكل صبياني، وأردفت “مش كل مرة بتسلم الجرة” واقترحت أن أنقلها بصندوق السيارة وأرميها في مكان بعيد خارج المدينة؛ ويا دار ما دخلك شر.

لم استسلم. قلبت الفكرة اللعبة، في رأسي عدة أيام إلى أن اختمرت بعد طول تفكر وتدبير. سأقودهم إلى “النكش” في حاوية القمامة. كان هذا قراري الحاسم، انتظرت بضعة أيام أخرى، وفي ليلةٍ “ما فيها ضوء قمر”، حملت كيسًا من الوثائق، وتسللت كقط مشرد إلى حواف الحاوية، وتأكدت من خلو الشارع، مزقت الكيس على عجل ونثرت ما بداخله في الحاوية وحولها. بعثرتها في الاتجاهات كلها، ورجعت والحذر ينهش مفاصل ركبتي خشيةَ أن يكون أحد الجيران يراقبني أو أن أحدهم لاحظ ما قمت به.

لم أخبر زوجتي بما فَعَلتْ. مع علمي أنها لن تبوح بالسر، حتى لو فكَرتْ يومًا ما بالتخلص مني فلن يكون التخلص بهذه الطريقة الشنيعة، ثم إنني واثق من حبها؛ كأي رجل معتدّ برجولته، لكني أخشى أن تفضحني ملامحها الواضحة كالشمس. كل شيء كان يرتسم على وجهها، ولا داعي لاستجوابها أصلًا. أذكر كيف أنها، ذات مرة، قالت لرئيس فرع الأمن السياسي، بعدما حاصرها بأسئلته الخبيثة: ألا تلاحظ أنك تتمادى. سَجِّل ما تريد، فلن أحتفل بالثامن من آذار.. يومها كاد يُغمى علي؛ خفت أن يقوم باعتقالها.

في صباح اليوم الثاني استيقظت باكرًا، على غير عادتي. شعور غامض كان يخل بتوازني. أقلعت بالسيارة نحو الشارع، حيث الحاوية على ناصية زاويته الشمالية. سيارة (ستيشن) بيضاء، كانت مركونة على طرف الحاوية، وبداخلها السائق وعنصر آخر، يدخنان بهدوء وحذر. لمحت أحد العناصر، في الشارع، يلملم الأوراق التي حملتها نسائم الصباح الباردة، وبالكاد انتبهت إلى عنصر آخر، كان نصفه الأعلى مختفيًا في حاوية القمامة. خفق قلبي بقوة، وارتخت أصابعي على مقود السيارة، ونسيت في لحظة ما كل شيء، حتى إنني نسيت إن كانت دعسة البنزين على اليمين أم الشمال، ولكن ذاكرة أقدامي أنقذت الموقف. خفت التحديق بهم مخافة أن تخذلني عيوني فينكشف سري. لا أدري كيف انعطفت السيارة يمينًا نحو حي السريان. تنفست الصعداء قليلًا، وحاولت أن أنظم دقات قلبي. فتحت الراديو، جاءني صوت فيروز؛ بدا لي وكأنها كانت تغني في وادٍ سحيقٍ، بعيد عني.. لم أتوقف حتى وصلت مقهى “ميلانو” في شارع بارون. قطعت خلالها كثيرًا من الشوارع والشارات الضوئية، حتى هذه اللحظة لا أعرف كيف وصلتُ، مثل أي خروف يقوده القطيع -قطيع السيارات- وصلت إلى المقهى.

رشفت قهوة الصباح بارتباك من اقترف جريمة. أصابعي ما زالت ترتجف، حاولت التظاهر بتصفح الصحف اليومية، وعيني على الشارع المزدحم، توقعت أن يُقتحم المقهى في أي لحظة لاعتقالي. مرت الساعة الأولى ثقيلةً جدًا. كانت تشبه لحظات الانتظار، التخمير، في غرفة المساعد أبو محمد، في فرع الأمن السياسي. لم يمر وقت طويل، وأنا لست أنا، ومن رمى بتلك الأوراق شخص آخر، لا أعرفه ولا يعرفني. نسيت الأمر وانشغلت بأحاديث تافهة، لا معنى لها، مع أصدقاء توافدوا على المقهى.

مع مرور الأيام أتقنت اللعبةَ لعبةَ استدراج عناصر الأمن إلى حاويات القمامة، ووصلت إلى درجة من الحرفية؛ إنني رسمت خارطة خاصة بي، تختلف عن كل خرائط المدن حول العالم. سميتها خارطة حاويات القمامة في حلب.

مقالات ذات صلة

إغلاق