اقتصاد

“إعادة الإعمار” لبلسمة جراح السوريين أم لنكئها “البشر قبل الحجر”

يكثر اللغط حول “إعادة إعمار سورية”، ويلهث النظام وحلفاؤه للزعم ببدء عملية الإعمار، وعقد الاتفاقات، وتناهش الحصص. فماذا يعني بدء التعمير قبل وقف التدمير؟

لكل طرف من الأطراف المتزاحمة مفهومه الخاص، ومصالحه الذاتية؛ فالأطراف التي ترى ما يحدث في سورية بمنظار “الكوميديا السوداء” يقولون: نعم، لا يمكن الانتظار. وهم المتسرعون في استحواذ حصصهم من نهب سورية قبل فوات الأوان. أما الأطراف التي ترى الأمور بمنظار “التراجيديا مجهولة النهايات”، فيقولون: لا بد من توافر شروط للبدء بعملية “إعادة الإعمار”. وهم بذلك يسلكون سلوك المستثمر الجاد الحريص على نجاح استثماراته وتحقيق أرباحه.

يرى النظام أن عملية إعادة الإعمار قد بدأت قبل نهاية الأزمة! ووضعت الخطط، ويمكن البدء مباشرة من دون انتظار. إذن؛ المخططات التنظيمية هي المدخل. وذاكرة السوريين تعي جيدًا ما تعني المخططات التنظيمية، منذ البدء بتنظيم “كفر سوسة” عام 1980، وطرح مشروع “حلم حمص” عام 2007؛ لذلك، سيسعى النظام إلى الإسراع بتعميم وتطبيق منهجه المعروف على الأرض السورية المدمرة كاملة. من المؤكد أن الدولة “يحق” لها استملاك الأرض للمنفعة العامة وتنظيم العمران، وهذا “الحق” مستمد من سيادة “الدولة” على أراضيها. وهذا الحق “يُمارس” ممارسة عادية في الدول الطبيعية، الدول غير المارقة وغير الفاشلة. أما في سورية، حيث دولة “اللادولة”؛ فالاستملاك يعني حق “النهب المزدوج”، نهب مالكي الأرض بتعويضهم بثمن بخس، أقل بكثير من قيمتها السوقية، هذا أولًا. وثانيًا، نهب من خلال الأرباح الريعية الفاحشة التي يحصل عليها تحالف مقاولين وتجار عقارات ومتنفذين سلطويين كبار. وهل نستغرب، من الذي يرى أن النسيج الاجتماعي في سورية هو اليوم “أفضل بكثير من قبل”، أن يرى أن من حقه الطبيعي أن يقبض ثمن تدميره سورية!

ليس النظام وحده يُسرع الخُطا نحو بدء الإعمار! فالحلفاء أيضًا مسرعون؛ فرئيس حكومة النظام السابقة، وائل الحلقي، أعلن: “أن دمشق وموسكو أبرمتا عقودًا بنحو مليار دولار؛ لإعادة إعمار جزء كبير من البنى التحتية السورية، وتحديدًا في قطاعات الطاقة والاتصالات والتكنولوجيا والمرافق والطرق وغيرها. وبحسب الحلقي، أعدت وزارة النفط والثروة المعدنية السورية مشروعات استراتيجية في قطاع الطاقة، على رأسها التنقيب عن النفط والغاز في البحر والبر، وقدمت مقترحات لشركات من الدول الصديقة، وفي مقدمتها روسيا”. ولن تكتفي روسيا بعقود التنقيب عن النفط والغاز في الساحل السوري، وقد بلغت قيمتها الأولية أكثر من 90 مليون دولار فقط، إنما تريد من القوى الدولية الاستعداد للمساهمة في إعادة إعمار البلد الذي دمرته الطائرات الروسية، وتقديم مليارات الدولارات، معلنين ألا يتوقع أحد من روسيا أن تدفع أي دولار. وقد صرح ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية الروسي: بأن “لا شيء، ينبغي أن يُتوقع من روسيا”. الروس يدمرون سورية ويريدون من الآخرين تحمل التكلفة”، فجشعهم لا يقبل بوراثة بلد خراب، وتطمح إيران إلى استحواذ عقود توريد الإسمنت إلى مشروعات إعادة الإعمار. وبعقود تنظيم منطقة بساتين الرازي في المزة، بالقرب من السفارة الإيرانية التي استُولي عليها لمصلحة إيران، وهي منطقة مخالفات سكنية، يبلغ عدد سكانها أكثر من عشرين ألف نسمة، وتنفيذ تنظيم جديد لمشروع “أبراج إيرانية” خلف بناء السفارة الإيرانية. وفي نهاية شهر حزيران 2015، وجهت محافظة دمشق إنذارات إلى مئات العائلات القاطنة، في حي البساتين، بضرورة إخلاء منازلهم. كذلك تسعى إيران إلى إبرام عقود إعادة تأهيل القطاعات الحيوية من طاقة وزراعة وصناعة، والاستثمار في شركة اتصالات “خليوي”.

وخلافًا للنظام وحلفائه أعادت فيديركا موغيريني، الممثل الأعلى لسياسة الأمن والشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، في ختام مؤتمر بروكسل في 5 نيسان/ أبريل 2017، تأكيدَ ما قالته غير مرة: “إن عملية إعادة الإعمار في سورية لن تبدأ قبل انطلاق عملية سياسية شاملة، وانتقال سياسي للسلطة”. وربطت إيفيرنا ماكغوان، مديرة القسم الأوروبي في منظمة العفو الدولية، بين مفهوم العدالة وتعويض الضحايا، والتحضير لمرحلة ما بعد الصراع بقولها: “إذا ما أُريد لسلام عادل ومستدام أن يتحقق في سورية، فعلى القادة المشاركين العمل لإيلاء موضوع المساءلة جزءًا مهمًا من مناقشاتهم “وشددت على ضرورة إعداد آليات؛ لضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم في سورية من العقاب، قائلة: “إن من حق ضحايا الصراع والناجين وأسرهم معرفة الحقيقة والحصول على تعويضات”

هؤلاء المستثمرون الجادون، وهم ينظرون إلى تمويل إعادة الإعمار، عن طريق القروض والمساعدات، بوصفه استثمارًا اقتصاديًا رابحًا، فإنهم يرون أن أي مشروع للإعمار، بعد الحرب، يتطلب “إعادة بناء الاقتصاد، وتحفيز النمو، وتحقيق الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، فحجم الإنفاق الإعماري الضخم يفترض أن يكون في سياق خطة تنمية اقتصادية واجتماعية بعيدة المدى”؛ لذلك، يقولون: إن “مشروع الإعمار لن يكون من خارج الحل السياسي”. وإذ يقدّرون تكلفة إعادة الإعمار بعدة مئات من مليارات الدولارات، فهم يدركون أنه تقدير أولي. فمنذ الآن؛ وحتى الوصول إلى الحل السياسي، سيزداد الدمار والخراب، ومن ثم؛ سترتفع تكلفة الإعمار، إضافة إلى أن الحل السياسي ضروري لحشد المدخرات السورية في الخارج التي تُقدّر بنحو 100 مليار دولار، فمن المستحيل ضخ تلك الأموال من دون معرفة مستقبل سورية. كذلك ينطبق الأمر نفسه على عودة الكفايات البشرية المهاجرة؛ للمساهمة في عملية الإعمار والتنمية، والمشاركة في القرار السياسي والوطني، وهي التي هربت من القمع والإقصاء والتهميش.

لكن، هل يكفي اشتراط “الحل السياسي” لانطلاق إعادة الإعمار بهذه العمومية الفضفاضة، أم أن الأمر يحتاج إلى تحديدات إضافية؛ فالجميع يتحدث عن ضرورة التوصل إلى “حل سياسي”، لكن لكل طرف من أطراف الصراع تصور لحلّ، يتناقض مع تصور الطرف الآخر. فتصور النظام وحلفائه للحل لا يعني سوى انتقال الصراع والعنف إلى أساليب مختلفة وبأدوات جديدة. لا بد من أن يكون “الحل السياسي”  قابلًا للتطبيق، قابلًا للحياة والاستدامة، يُفضي إلى السلام والاستقرار. وهذا يتطلب تحديد “طبيعة السلطة” المتحكمة في المرحلة الانتقالية، ثم “طبيعة الدولة السورية” المنشودة التي تجعل عملية “إعادة الإعمار” تُبلسم جراح السوريين، وتعيد إليهم حقوقهم، وتَعِد أجيالهم بمستقبل ينعمون فيه بالحرية والكرامة. بالتأكيد لا مجال هنا للخوض في تلك الأمور، لكن لا بدّ من إلقاء الضوء على بعض الاشتراطات التفصيلية المتعلقة بعملية إعادة الإعمار مباشرة، فمن حق السوريين أن ينفخوا على اللبن بعد أن كواهم الحليب، فما مسوّغ هذه التخوفات؟

لو سئل “الديكتاتور” عن تعريف الديمقراطية؛ لأجاب: “الديمقراطية هي أن تختار شعبك بنفسك”. وإذا كان فن الكاريكاتير، سواء الرسم بالخطوط أو بالكلمات، يعتمد على المبالغة في تصوير الواقع، وتضخيمه والسخرية منه، فإن هذا الفن يعجز عن العمل في سورية، فمهما يُبالَغ في تصوير ما يحدث في سورية فلن يتجاوز “التصوير الفوتوغرافي”. فمِن رأس قمة هرم السلطة، سلطة الأمر الواقع، يُعرَّف “السوري” بأنه: “مَن يدافع عن سورية، وليس من يحمل الهوية السورية”. إذن؛ عناصر الميليشيات الطائفية المذهبية، من إيرانيين وأفغان وعراقيين ولبنانين، هم السوريون، والملايين الذين طالبوا بالحرية والكرامة، ثم قُتلوا أو جُرحوا أو اعتُقلوا أو فُقدوا أو هُجّروا في الداخل والخارج، ليسوا بسوريين. وبجردة حساب بسيطة، استكمل صاحب هذه “النظرية” استنتاجَه بأن: “النسيج الاجتماعي في سورية هو اليوم أفضل بكثير من قبل”. فما علاقة ما تقدّم بمسألة “إعادة إعمار سورية”؟ والجواب هو سؤال آخر: كيف يُمكن تفادي تحوُّل “إعادة إعمار” سورية إلى أداة من أدوات إعادة “هندسة اجتماعية” في سورية، فهل لهذا التخوف ما يسوّغه؟ في “مؤتمر بروكسل” جُدّدت وأُكدت إرادة دولية تستبعد الوصول إلى هذا المصير، لكن هناك إرادات دولية أخرى، خارج بروكسل، تعمل جاهدة للوصول إليه، فأي الإرادتين ستنتصر؟ أم أن حلًا توفيقيًا بين الإرادتين هو ما سيحصل؟

سنكتفي -هنا- بذكر بعض النقاط المهمة بإيجاز؛ لاستبعاد تلك المخاوف المشروعة:

أولًا: قبل الانطلاق بالأعمال الإنشائية، يجب إجراء مسح شامل لملكيات الأراضي والمساكن، وتوثيق صكوكها كما كانت عليه بدايةَ عام 2011 في سورية، وفتح باب الاعتراض القانوني قضائيًا على عمليات بيع وشراء ورهن الأملاك الجارية بعد هذا التاريخ.

ثانيًا: إعادة المُهجّرين إلى مدنهم وبلداتهم وأحيائهم، وتوطينهم من جديد على أراضيهم، وفقًا لصكوك الملكية و/أو سندات الإقامة وهوياتهم الشخصية، ووثائق السجلات العقارية والسجل المدني.

ثالثًا: سحب “الجنسية السورية” من الذين حصلوا عليها بعد عام 2010. يُستثنى من ذلك الأكراد السوريون؛ لأنهم حصلوا على “حق لهم، كانوا محرومين منه ظلمًا وتعسفًا”. ولا ينطبق هذا الاستثناء على الأكراد غير السوريين الذين دخلوا إلى سورية بعد عام 2011، في سياق الصراع المسلح، الأكراد الأتراك على سبيل المثال لا الحصر، والعراقيين الذين استوطنوا في سورية منذ تسعينيات القرن العشرين، بعد اشتداد الحصار على العراق، والصراع الذي دار هناك، سواء أكانوا أكرادًا أو أشوريين، أو عربًا أو سواهم.

رابعًا: إدارة أموال إعادة الإعمار بإشراف أممي أو دولي بمعايير الشفافية الدولية؛ منعًا للهدر والفساد والنهب.

خامسًا: حق عودة اللاجئين والمهاجرين غير قابل للتصرف، والانتقائية والاشتراطات والتلاعب.

غير أن أيًا من هذه الشروط لن يتحقق، ولن يتحقق أي إعادة إعمار، إن بقي الأسد ونظامه قابضين على سورية وشعبها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق