مقالات الرأي

سورية حصاد مبهم لدوامة القتل

تركت الحرب أثرها العميق في بنية الدولة السورية كلها؛ إذ صار الخوض، في عمق المشكلات التي تشكّلت في الأعوام الفائتة، يتطلب دراسات تفصيلية لكافة مناحي الحياة السورية التي باتت تشكّل هذه الحرب جزءًا كبيرًا منها؛ فالمجتمع السوري الذي عانى سابقًا -إضافة إلى غياب الحريات الأساسية- ويلاتِ التهميش المجتمعي والاقتصادي، وانتشار الفساد الذي جعل سورية إحدى الدول الخمسين، في مؤشر الدول الفاسدة، قبل اندلاع الثورة وكان سببًا رئيسًا في قيامها، يعاني الآن ويلات العنف غير المسبوق الذي حوّله إلى مجتمع حربٍ، تتلاءم علاقاته وبُناه مع هذا الواقع، مخلّفة رواسب خطيرة، تؤثّر في بنية الدولة وعلاقات أفرادها المجتمعية اللاحقة، أيًّا يكن شكل الحُكم القادم.

لا تقتصر الحروب على الظاهرة العسكرية فحسب، وإنما تُمثّل حدثًا مجتمعيًا شاملًا، يطال كافة ميادين العمل الإنساني، من السياسة إلى الحقوق مرورًا بالثقافة والفن؛ فهي تُدمّر النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع عامة، وتفرز آثارًا سلبية، تتواصل انعكاساتها مباشرةً على المجتمعات، وتستمر آثارها لتُشكّل قيدًا قاسيًا تحمله الأجيال الآتية، وأهم هذه الآثار الفقرُ الذي يُشكّل عاملًا رئيسًا من عوامل الاضطرابات السياسية والاجتماعية وعدم الاستقرار والافتقار إلى الأمن.

وعلى الرغم من أن الفقر لا يُعدّ طارئًا على المجتمع السوري، لكنه تضاعف ثلاث مرات منذ اندلاع الحرب، بحسب الدراسة التي أعدّتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا) مع جامعة (سانت أندروز) البريطانية في نيسان/ أبريل 2016، إذ تقول الدراسة: “إن 83.4 في المئة، من سكان سورية، يعيشون تحت خط الفقر حاليًا من جرّاء الحرب التي تشهدها البلاد، وإن 13.5 مليون شخص، أي أكثر من نصف عدد سكان سورية -بينهم ستة ملايين طفل- بحاجة إلى مساعدة إنسانية، وإن أعدادهم تزداد مع استمرار الحرب وانكماش الاقتصاد السوري بمعدل 55 في المئة، بين عامي 2010 – 2015″؛ وذلك نتيجة اعتماد الحكومة على اقتصاد الحرب الذي اعتمد تقنين استهلاك السلع والمنتجات وتحويل الاقتصاد السوري إلى خدمة الإنتاج الحربي في محاولةٍ لإخماد نيران ازدادت اشتعالًا، ومع تفاقم الحالة السورية استمرت الحكومة في سياستها الاقتصادية الهادفة نحو التفقير العام للشعب الفقير أساسًا، وزيادة معاناته، وإشغاله المستمر بقوت يومه؛ فزادت الضرائبَ في القطاعات الأساسية كافة، كالكهرباء والاتصالات والمحروقات، ورفعت الدعمَ عن المواد الأساسية، كما اعتمدت التلاعب بسعر صرف الدولار، وغير ذلك مما يزيد الفقراء فقرًا.

تزيد وطأة هذا الواقع من الفقر، ويتم تكريسه في العديد من المعطيات، منها أولًا: فقدان عدد كبير من السوريين كاملَ مدّخراتهم نتيجة دمار منازلهم وممتلكاتهم، إذ تشير التقديرات إلى وجود أكثر من 500 ألف حالة لمنازل دُمّرت بشكل كلّي، أو أصبحت غير قابلة للسكن أو الإصلاح، وهذه الحالة، من التشرد والضياع وانعدام الاستقرار لكثير من العائلات السورية، يرافقها التخلف العلمي وتفشي الأمية وانتشار عمالة الأطفال وغيرها، مما سيكون له أثر كبير في سورية حاضرًا ومستقبلًا. ثانيًا: فقدان المُعيل نتيجة ازدياد الضحايا الذي وصل إلى نحو 470 ألفًا، أما عدد الجرحى فيقدر بنحو 1.9 مليون إنسان، بحسب تقرير المركز السوري لأبحاث السياسات الذي نشرته صحيفة الغارديان البريطانية في شباط/ فبراير 2016، وهذا يعني بقاء أُسرٍ بكاملها محتاجة من الناحية المادية والاجتماعية، فضلًا عما سيتبعه من حالات الترمل واليتم، وستبقى الآثار الاجتماعية، من فقدان الأب أو الزوج أو الابن، قائمةً إلى فترات طويلة؛ إذ إن فقدان الرجل المنتج لا يُعوّض وفق المعايير والقيم الاجتماعية. ثالثًا: الإعاقة، وكان نصيب السوريين منها نحو مليون معاق بدرجات متفاوتة، بحسب إحصاءات منظمة الصحة العالمية في نهاية عام 2014، وظاهرة الإعاقات ستترك اضطرابات نفسية اجتماعية ليس على المعاق فحسب، وإنما على كافة أفراد الأسرة، وهي تحتاج إلى عمل جاد لإيجاد حلول لها وتأمين سبل التعامل مع وجودها، بالمعنى الاقتصادي والاجتماعي والقانوني، لضمان حقوق المعاقين وحماية كرامتهم. رابعًا: بروز تجّار الحروب و”الاقتصاد الأسود” الذي بات وسيلةً للنهب في ظل انهيار حكم القانون والأمن في كافة المناطق، حيث تعتاش قطاعات كثيرة على الحروب وأزماتها، وهؤلاء يستغلون الحرب للكسب المادي وممارسة الأعمال غير الشرعية “الخطف، التهريب، الاحتكار” ويُثرون بفضل الصراع، ويعدّون سرقةَ قوت الشعب ونهب بيوتهم “التعفيش” غنائمَ حرب.

واكب هذه المعطيات، مما يعيشه المواطنون السوريون أثرًا مباشرًا من الحرب، تصدّعُ الطبقات الاجتماعية التقليدية، واختفاءُ الطبقة الوسطى الراعية للتقدم والاستقرار، وتكريسُ النزعات المحلية والاستهتار بالقانون، وانتشار الفساد الإداري والاجتماعي والسياسي والتزوير، وبروز ظاهرة الجريمة المنظمة والاتجار بالبشر وبيع الأعضاء، فضلًا عن النكوص الثقافي واختفاء الأنشطة الخاصة بالثقافة والفنون، وانتشار ثقافة الخوف والقلق التي تجعل من المأساة السورية مأساةً لا تنتهي مع توقف الحرب، أو التوافق السياسي على حكومة انتقالية، أيًا كان نوعها ومعطياتها، أو ما يليها من محاولة ردم الآثار المادية لهذه الحرب المتوحشة، من خلال إعادة الإعمار التي تُعدّ، بحدّ ذاتها، عمليةً معقدةً في سورية التي استُنزفت في الأعوام الماضيّة داخليًا وخارجيًا استنزافًا ممنهجًا من قِبل القوى العالمية والإقليميّة والسلطة القائمة، ولن يكون للسوريين طاقة بدفع كلفتها، ولا يمكن أن يتحمل أوزارَها المجتمع السوري وأجياله الآتية.

الحاضر المأساوي الذي تعيشه سورية، في دوامة القتل، يجعل مستقبل السوريين مبهمًا؛ فالآثار التدميرية الضاربة في عمق المجتمع ستمتدّ إلى عشرات السنين، تبعًا لخطط الدولة والمجتمع في التعامل معها والسعي إلى علاجها علاجًا صحيحًا، وإعداد البرامج المختلفة والشاملة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لتغطية جوانب الخلل المجتمعي الناتج عن الحرب، وترميم العلاقات العامة والقيم وبناء الإنسان السوري وطنيًا، وإعداده لبناء الدولة الوطنية للسوريين.

مقالات ذات صلة

إغلاق