كلمة جيرون

شهاب الدين وأخوه

أصدر رئيس النظام السوري مرسومًا، يقضي بحلّ الاتحاد العام النسائي، وهو أحد “النقابات” أو “الاتحادات” التي يشرف عليها النظام السوري، كنقابات الصحفيين والمهندسين والأطباء والفنانين والكتّاب والطلبة، وغيرها من التي سيطرت عليها أجهزة الأمن السورية ومؤسسات حزب البعث، منذ تأسيسها قبل نحو ثلاثة عقود، وفقدت دورها خلال العقود الماضية، بعد أن تحوّلت إلى هيئات لا تخدم المنتسبين إليها بقدر ما تخدم السلطةَ السياسية ومصالح كبار المسؤولين ورجال الأمن.

عام 1980، لجأ النظام السوري إلى حلّ كلّ النقابات المهنية التي تشكّلت في سورية، أواخر العشرينيات في القرن العشرين، مع أنها كانت ملبيةً، إلى حدّ مقبول، حاجات وأهداف أعضائها، وفرضَ عليها حالة الطوارئ، واعتقل عددًا من ناشطيها، وشلّ حركتها نهائيًا، وأعادها مكبّلة بقانون جديد للنقابات، ألغى الانتخاب في 1981، وألغى تحديدَ المدة الزمنية لبقاء النقيب في منصبه، وأقرّ بأن تُعيّن “القيادةُ” قيادةَ النقابات.

خضعت النقابات والاتحادات لوصاية السلطة الحاكمة وهيمنتها، وأُلحقت بحزب البعث، وقُيّد نشاطها وتُحكّم في عملها وإدارتها، وفُرِضت عليها القيادات الفاسدة أخلاقيًا وماديًا؛ فغدت وسائل لجباية الأموال، ومراكز لتضليل أعضائها والمجتمع، من خلال التأكيد الدائم على سلامة أوضاع البلاد والعباد، والتستر على الأوضاع الفاسدة والمزرية. وهكذا تحولت تلك النقابات والاتحادات إلى قنوات تُصدِر بيانات التأييد والولاء لسلطة سياسية، لم يشهد تاريخ سورية أسوأ منها وأحط.

بالتأكيد، لم يحلّ النظام السوري هذه النقابةَ –الاتحاد العام النسائي- لأنها كذلك؛ فرأس الفساد لا يمكن أن يقوم بعمل صالح، ومن المُرجّح أن في نيّته شيئًا أكثر سوءًا ودناءة، وعليه؛ لا يصحّ تقويم هذه الخطوة، ولسنا بصدد ذلك أساسًا، لكن هذه الخطوة تُثير بعضَ الشجون، في مسألة النقابات والاتحادات المهنية البديلة “الحرة” التي تأسست بعد الثورة.

بعد أشهر من انطلاق الثورة السورية، وتعبيرًا عن المعارضة السلمية، وعن عدم ثقة السوريين بمؤسسات الدولة والنقابات والاتحادات المهنية، ورغبةً بإضعاف مؤسسات النظام القائمة، بدأ بعض السوريين تأسيس بدائل ظلّ لها، عنوانها الأساس الاستقلال والحرية والديمقراطية، ومنها نقابات الصحفيين والأطباء والفنانين والكتّاب والطلبة وغيرها، وبارك السوريون المعارضون هذه الخطوة.

كل هذه الجهد لم يؤدّ الغرضَ المطلوب؛ لضعف الإمكانات المادية، أو لعدم وضوح برامجها ووسائلها البديلة، أو لخوف ذوي الكفاءة من الانتساب إليها، بسبب فساد روائح معظمها، والممارسات الديكتاتورية لبعض “زعمائها” الذين لم يخرجوا من عباءة النظام، وتخيّلوا أن هذه المؤسسات هي نقاباتهم الخاصة.

لم ينجح النظام السوري –يومًا- في عمل وطني قام به؛ لأنه، في الأساس، خامة فاسدة مُفسدة رديئة مُنحطّة، فصَّلَ الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية والاجتماعية، على قياس هواه ومصالحه، وبما يخدم فساده وتمييزه وطائفيته، فانتقلَت –من سوء الحظ- أمراضَه إلى مؤسسات الظل التي لم تستطع، خلال ست سنوات ونيّف، أن تقوم بشيء يُذكر، ولم تخدم أعضاءها والمنتسبين إليها، ولم تُلبّ أهدافهم وتطلعاتهم، وظلّت خاوية شكلًا ومحتوى، ولم تُوفّر المناخ الديمقراطي الموعود، وضاعت فيها حريات الرأي والتعبير والتعددية، كما ضاعت الأموال والمساعدات، وصار “الظل” نسخةً من “الأصل”.

لا داعي للتفصيل، أو الإشارة إلى “الأعور” بعينه؛ إذ يُفترض أن يفهمَ اللبيب من الإشارة، وهذا التشاؤم ليس مُحبِطًا، لأن الزبد زائل لا محالة، والأمر، في الحقيقة، ليس أكثر من مجرد شجون وآمال.

إمّا أن تُحلّ اتحادات “دكاكين” الظلّ هذه -كما فعل النظام- لأنها لا تُقدّم للمنتسبين إليها حقوقهم، ولا تحمل أخلاقًا أفضل من تلك التي يحملها النظام، وهي ليست كيانات بديلة شفافة يستحقها السوريون، وليس فيها ترابط عضوي بين الدور الذي تؤديه وبين الديمقراطية، إضافةً إلى أن أصحابها أفسدوا الأحلام التي طالما حلم بها السوريون، أو أن يقوم هؤلاء بثورة داخلية، تقلب كل ما سبق إلى عكسه، وهذا آخر ما يمكن الثقة بإمكانية حصوله.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق