مقالات الرأي

كيف تحوّل التنوّع إلى لعنة!

عندما كتب أمين معلوف كتابه “هويات قاتلة”، كان لبنان النموذج المتعين الأبرز، آنذاك، للصراع الطائفي البغيض في المنطقة، بينما كانت بلدان الجوار (سورية، مصر، العراق) تنعم في الظاهر بما يسمّى “التعايش” بين الطوائف والإثنيات، في حين ظلت التناقضات كامنة في العمق. الفارق أن الأنظمة الديكتاتورية الحاكمة في تلك البلاد كانت تضبط التناقضات، بقبضة حديدية، من دون أن تحلّ المسألة من جذورها، أي أنها لم تسعَ إلى بناء دولة “المواطنة” لكل ّ أبنائها؛ وظلّ هناك ما يسمّى الأكثرية والأقليات.

كانت تلك الديكتاتوريات تمسك بورقة “الأقليات” تستغلها وتوظفها في خدمة مصالحها، بحسب الظروف والمتغيرات. وجاءت ثورات الربيع العربي وأسقطت ورقة التوت، وكشفت أن تلك المجتمعات ما زالت في مرحلة ما قبل “الدولة الوطنية”، بدليل الاستقطاب الحاد الطائفي والمذهبي الذي طفى على السطح؛ وبات يهدّد هذه المجتمعات بالتشظي والتقسيم.

عودة إلى الجذور:

طالما كان التعدّد والتنوع الإثني، والديني، والمذهبي في بلاد الشام، عمومًا، وفي سورية على وجه الخصوص مصدرَ غنى وجمال، ينمُّ عن الجذور الحضارية العميقة لهذا البلد الذي عرف العمران والاجتماع منذ نحو عشرة آلاف سنة، ولطالما كانت دمشق هي العاصمة التاريخية لبلاد الشام قاطبةً، حيث اجتمعت في هذه البقعة من العالم أقوام شتى، وانصهرت في بوتقتها، وتعايشت، كالعرب والأكراد والشركس والتركمان والأروام والأرناؤوط والأبخاز والهوارة والداغستان واليهود والأرمن والعجم والمغاربة وغيرها؛ الأمر الذي منحها طابعًا “كوزموبوليتيًا” يؤكده النسيج المتنوع (الإثني والديني والمذهبي) لسكان هذه البلاد.

ينطبق الأمر على مصر التي انصهرت في مدنها الكبرى، ولا سيما في الإسكندرية والقاهرة، جنسيات وإثنيات متعددة، إضافةً إلى الأقباط والمسلمين من سكانها الأصليين، وكذلك عرفت بلاد الرافدين مثل هذا التعدّد الإثني والمذهبي والديني (سنة، شيعة، أكراد، تركمان، مسيحيون: كلدان وآشوريون… إلخ)، وفي التاريخ كانت بلاد الشام، بموقعها “الجيوسياسي”، مركزَ تلاقي قارات العالم القديم، والبوابة أو الجسر ما بين الحضارات، بوابة الغرب إلى الشرق، والشمال إلى الجنوب؛ الأمر الذي أورث هذه المنطقة ذلك النسيج الديني والإثني والمذهبي المتنوّع. لكن إذا كان هذا التنوّع مصدرَ ثراء ثقافي وروحي فقد كان في الآن ذاته لعنةً؛ وتحول في محطات معينة إلى كارثة حقيقية؛ حيث تفككت سورية التاريخية إلى كيانات جديدة، حينما انتزعت اتفاقية سايكس – بيكو منها الساحل الفلسطيني واللبناني، ولواء إسكندرون وأجزاء من شمال سورية، وها هي اليوم تشهد صراعًا دمويًا مدمرًا، ينذر بأوخم العواقب، بسبب المحاولات الحثيثة للفاعلين الأساسيين في تطييف الصراع، وحرفه عن مساره الطبيعي، من ثورة ضد الاستبداد إلى صراع طائفي ومذهبي، بين المكونات المختلفة في المجتمع السوري؛ الأمر الذي يهدد هذا البلد بمخاطر تمزيقه وتصدعه وانهياره!

ينسحب الأمر ذاته على العراق الذي تمزقه الصراعات المذهبية والطائفية، وإرهاب داعش، وكذا الأمر في لبنان الذي لم تستقر أوضاعه استقرارًا فعليًّا، منذ الحرب الأهلية في مطلع السبعينات. كذلك تعاني مصر، إضافةً إلى مشكلاتها المعروفة، من نزعة استقطاب وتسعير طائفي بين الأقباط والمسلمين، تمظهر بحرق الكنائس، أو استهدافها بعمليات تفجير إرهابية، لتعميق الشرخ بين الأقباط والمسلمين، بهدف تفجير صراع طائفي بينهما على المدى الأبعد!

على ضوء الاستقطاب الديني والمذهبي الذي يجتاح المنطقة، يُطرح اليوم سؤال “الهوية”. إذ كيف يُعرّف الفرد السوري، أو العراقي، أو المصري، أو اللبناني… هويتَه؟!

هل يعرّف نفسه، أولًا، على أساس “الهوية الوطنية” على أنه سوري، أو مصري، أو…، أم على أساس “الهوية الفرعية” سنّي، أو شيعي، أو مسيحي، أو علوي، أو كردي، أو سرياني إلخ…؟!

هناك فارق جوهري –بطبيعة الحال– بين الهوية الوطنية الجامعة التي تنهض على مبدأ المواطنة، وبين الهويات الفرعية التي تبرز على السطح في فترة الأزمات؛ ممّا يدفع الأفراد إلى العودة إلى الانضواء تحت مظلة الطائفة، أو المذهب، أو العشيرة -سواء عن وعي أو غير وعي- أو ربما بحثًا عن حماية ما في ظلّ التشظي الحاصل في المجتمع، وخوفًا من تداعياته.

بمقدار ما يبدو عليه مفهوم “الهوية” مفهومًا بسيطًا، بمقدار ما هو مفهوم “ملتبس”، من الصعب أن ندرك دلالاته والتداعيات الإنسانية المترتبة عليه. ولا سيّما عندما يُفرض على الإنسان في ظروف معينة “تأكيد هويته”، كما يجري في سورية والعراق ولبنان ومصر وأكثر من بلد عربي، حيث الشحن الطائفي وتسعير النزعات الدينية والمذهبية يهدّد الشعوب والأوطان بمزيد من التمزق، والحروب، والانقسامات.

إن “الديمقراطية الطوائفية” المطروحة بصورة حلٍّ في لبنان والعراق، على أساس المحاصصة بين ما يسمّى “مكوّنات الشعب”، وتوزيع المناصب في النظام السياسي على هذا الأساس، ما هي إلاّ ألغام ومفخخات قابلة للانفجار في أي لحظة، لأنها تعلي من شأن الهوية “الجزئية” على حساب الهوية “الوطنية” التي تكرّس حق “المواطنة” دون تمييز!

السؤال الجوهري: كيف يمكن أن يحصل الفرد على الاضطلاع بتنوعه الخاص به، ورؤية هويته محصلةً لانتماءات عديدة، بدلًا من حصرها في انتماء واحد، كي لا يتحول الفرد إلى أداة للاستعباد، وأحيانًا إلى أداة للحرب، أو الاقتتال المذهبي والطائفي؟!

الجواب هو: بإعادة بناء الدولة الوطنية دولة المواطنة والقانون لكلّ أبنائها، لأنها الممر الوحيد الممكن لإعادة السلم الأهلي وولوج عالم الحداثة.

مقالات ذات صلة

إغلاق