سورية الآن

سورية غيرت العالم

اجتاحت الفوضى العالم، وبات الشك يملأ النفوس أكثر من أي وقت مضى منذ نهاية الحرب الباردة. أعداد الزعماء الاستبداديين في ازدياد، فيما باتت الديمقراطية الليبرالية نفسها تحت الحصار، ونظام ما بعد الحرب العالمية الثانية انهمك في الحروب التي اشتعلت على الحدود بين الدول وفي المؤسسات الدولية، تلك المؤسسات النظرية والمفترض أن توقف استمرار المذابح الوحشية، التي فشلت جميعها في إيجاد الحلول. فالحركات الشعبوية على ضفتي الأطلسي لم تعتل موجة الغضب المناهض للمؤسسات فحسب، بل أججت الخوف من «الآخر»، والآخر هذه المرة هو المسلمون.

تبلورت تلك التحديات وقويت وزادت حدتها نتيجة للحرائق التي استخف بها الغرب في الماضي، باعتبارها هامشية، لأنها «ارتكبت بواسطة مسلمين وبحق مسلمين»، والإشارة هنا إلى الحرب في سوريا.
والآن بعد أن دخلت الحرب السورية عامها السابع بعد أن تركها العالم لتطول وتزهق أرواح نحو 4000 ألف سوري، وفرض حياة بائسة على الملايين، فقد أرسلت بموجات صادمة إلى العالم أجمع. فالملايين فروا إلى الدول المجاورة، والبعض منهم اتجه إلى أوروبا، وبات واضحا أن نغمة السائدة بأن العالم في مرحلة ما بعد الحرب لن يسمح لزعمائه بقتل مواطنيه بصورة عشوائية قد تراجعت بالكامل. فرد فعل الحكومة السورية للثورة التي استمرت عاما بعد عام تهدد بتطبيع وحشية الدولة، لتصل إلى مستوى لم نعهده منذ عقود. والرئيس بشار الأسد لا يزال يردد المبرر الذي انتشر ورددته كثير من حكومات العالم عقب اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول)، وهو أنه «يحارب الإرهاب».

وبحسب المنشق السوري ياسين الحاج صالح، الذي قضى قرابة العقدين كمعتقل سياسي في سجون حافظ الأسد ومن بعده بشار: «سوريا ليست السبب في كل ما يحدث، لكن نعم فقد غيرت سوريا العالم».
فمجلس الأمن الدولي بات مشلولا، ووكالات الإغاثة تخضع لضغوط، وحتى الضربة الصاروخية التي استهدفت قاعدة جوية سورية، وفق أوامر من الرئيس ترمب نتيجة للهجوم الكيماوي على المدينة التي تسيطر عيها المعارضة السورية تبدو مجرد ومضة وسط الثورة، وكانت تلك الضربة آخر تدخل أحادي في الحرب السورية. وبعد ذلك بأسبوعين واصلت الحكومة السورية المدعومة من روسيا تنفيذ سياسة الأرض المحروقة.

ليس هناك إجماع على ما يجب فعله في سوريا في السابق ولا في المستقبل، وما إذا كان التدخل الدولي القوي فسوف يثمر نتائج أفضل.

تعامل البيت الأبيض في عهد أوباما مع سوريا عن قرب، وكان مصمماً وبشكل تفهمنا أسبابه على تجنب تكرار أخطاء غزو واحتلال العراق. واعتقد القادة الغربيون أن الحرب في سوريا لن تكون مثل الحرب الأهلية التي اندلعت في البوسنة في التسعينات، وأن الحرب في سوريا قد تشعل الحريق، لكن داخل سوريا، وأن لهيبها لن يطال دولهم.

وبصرف النظر عن مدى أخلاقية مثل هذا الطرح، فقد ثبت خطأ تلك الحسابات بعد أن تخطت الأزمة عتبات أوروبا، وقلبت سياساتها رأسا على عقب.

بدأ الصراع عام 20111 إثر الاحتجاجات الشعبية، واتخذت السلطات السورية إجراءات صارمة ضد الثوار، وحمل بعض خصوم الأسد السلاح بدعم من الغرب، وكان الدعم كلاميا أكثر منه ماديا. جاء رد فعل الحكومة عن طريق حملة اعتقالات جماعية وتعذيب وفرض حصار للتجويع وقصف للمناطق التي يسطر عليها الثوار. ظهر المتطرفون وفي النهاية أعلن تنظيم داعش دولته المزعومة ليجتاح العنف بعدها أوروبا. هرب أكثر من خمسة ملايين سوري من وطنهم، وانضم مئات الآلاف إلى جموع اللاجئين عبر البحر المتوسط وأوروبا. واستخدم الساسة صور طوفان المهاجرين اليائسين والعنف المفرط الذي واجهوه في بلادهم لإثارة الخوف من الإسلام والمسلمين، مما جعل أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا تستغل الاستياء من المهاجرين، بدءا من فنلندا إلى المجر. تمثل أزمة المهاجرين أحد أكبر التحديات في الذاكرة فيما يخص وحدة الاتحاد الأوروبي وقيمه الأساسية التي تصون حرية السفر، والحدود المشتركة، والتعددية. فقد أثارت تلك الأزمة القلق بشأن الهوية والثقافة، والاستفادة من انعدام الأمان الاقتصادي وانعدام الثقة في الصفوة الحاكمة، وهو ما زادت حدته في ظل العولمة والأزمة المالية.

فجأة شرعت الدول الأوروبية في بناء أسوار وإقامة معسكرات اعتقال لإيقاف الهجرة. ورغم ترحيب ألمانيا باللاجئين، رفضت دول أخرى اقتسام العبء، وتحدث اليمين المتطرف عن حماية البيض والمسيحيين في أوروبا، وحتى حملة «بريكست»، أو الخروج من الاتحاد الأوروبي، لعبت دورا في زيادة الخوف من اللاجئين.

وفي الولايات المتحدة، كما هي الحال في أوروبا، يعتبر المتطرفون اليمينيون أنصارا للفكر الاستبدادي برد الفعل العشوائي لتهديدات «الإسلامويين». فالقوميون البيض مثل ريتشارد سبنسر وديفيد ديوك، زعيم منظمة «كو كلوكس كلان» التي تؤمن بتفوق الجنس الأبيض، نشروا صورا على موقع «فيسبوك» دعما للرئيس السوري الذي يصور نفسه بوصفه الحصن المناهض للتطرف.

وخلال العقد الذي غطيت خلاله أحداث العنف في الشرق الأوسط، تبين لي أن عمليات القتل الجماعي التي ترتكبها الدول أقل وقعا على المشاهد الغربي من عمليات القتل الصغيرة التي ترتكبها جماعات مثل «داعش» ومن قبلها «القاعدة». فقد لعبت «حرب الولايات المتحدة على الإرهاب» دورا في خرق الأعراف الإنسانية والقوانين الدولية، وذلك بالاعتقالات التي جرت في سجن غوانتنامو والتعذيب في سجن «أبو غريب» والضربات الجوية المستمرة باستخدام طائرات الدرون والهجمات الجوية التي يذهب ضحيتها مدنيون في سوريا والعراق واليمن وغيرها من المناطق. وبعد ذلك اندلعت الحرب في سوريا عندما كان المسرح الدولي مهيئا للانقسام والعجز، فروسيا كانت تتوق للعب دور أكبر، فيما كان دور الولايات المتحدة في تراجع، وكانت أوروبا غارقة في مشكلاتها الداخلية.

في الحقيقة، أدى سعي روسيا والولايات المتحدة لتحقيق مصالح متضاربة في سوريا إلى تعطيل دور مجلس الأمن.

مقالات ذات صلة

إغلاق