سورية الآن

الحسكة: مناهج تربوية مسيسة تهدد مستقبل جيل بأكمله

أعلنت مديرية التربية التابعة للنظام في محافظة الحسكة، الخميس، قراراً بتمديد ﺍﺳﺘﻘﺒﺎﻝ طلبات ﻣﺴﺎﺑﻘﺔ ﺗﻌﻴﻴﻦ المدﺭﺳﻴﻦ الجدد حتى 27 ﻧﻴﺴﺎﻥ/إبريل، بسبب “الظروف التي تعاني منها المحافظة”. وكانت مديرية التربية قد نشرت الأسبوع الماضي قوائم بأسماء 600 معلم جديد سيتم تعيينهم في مدارس المحافظة. ويحاول النظام، كما يبدو، من خلال هذه المسابقات بيع الوهم للمعلمين الجدد، في ظل غياب مدارس كافية أصلاً للمعلمين القدامى. فالنظام فَقَدَ سلطته على ما يقارب 90 في المئة من مدارس المحافظة، التي باتت تحت السيطرة الفعلية لـ”الإدارة الذاتية” التابعة لحزب “الاتحاد الديموقراطي” الكردي التي فرضت بدورها منهاجاً خاصاً أجبرت معظم المدارس على الالتزام به وترك منهاج النظام.

المنهاج الجديد الذي فرضته “الإدارة الذاتية” هو موحد لمناطق الشمال السوري الثلاث التي يسيطر عليها حزب “الاتحاد الديموقراطي”، أي مقاطعات الجزيرة وعفرين وعين العرب “كوباني” بلغة “الإدارة الذاتية”. وحاولت الإدارة من خلال هذا المنهاج تقديم طرح مختلف عن منهاج النظام، فقامت باستبدال مادة “التربية القومية” التي كانت تمجد “حزب البعث” بكتاب جديد يدعى “الأمة الديموقراطية” يُروّج لفكر “الاتحاد الديموقراطي” والفيدرالية، ويتضمن أفكار قائد حزب “العمال الكردستاني” عبدالله اوجلان المعتقل في تركيا. كما قامت “الإدارة الذاتية” باستبدال كتاب “التربية الإسلامية” بكتاب “تاريخ الأديان” الذي يتناول الحديث عن الديانة الإسلامية والمسيحية وحتى الزردشتية. كما أضافت مقررات “علم المرأة” و”الثقافة والأخلاق” بالإضافة إلى تعليم اللغة والأدب الكرديين، وتعديل كتاب التاريخ ليكون تاريخاً لجميع شعوب المنطقة، بدل اقتصاره على الحضارة العربية.

مسؤولة التعليم في مقاطعة عين العرب “كوباني” نسرين كنعان، قالت لـ”المدن”، إن “الهدف من تغيير المنهاج كان مرتبطاً بالوضع السوري. ومع طرح مشروع الفيدرالية كان من الضروري أن تشهد الساحة تغييراً للمناهج يتوافق مع تطلعات جميع مكونات المجتمع. وكان الطرح قائماً على أساس التعددية في اللغة والفكر. والمناهج الجديدة تختلف عن المناهج القديمة بأنها وُضعت على أساس الاختلاف في الاعراق من دون تهميش أي مكون على حساب الآخر، وهو بعيد عن فكرة القومية الواحدة التي اعتمدها النظام السوري”.

ولكن كما يبدو هناك رفض في بعض المناطق لفرض هذا المنهاج، وبعد اعتراض الأهالي على تدريس أبنائهم المنهاج الجديد وخروج الطلاب في تظاهرة ضد “الإدارة الذاتية”، قررت الأخيرة إغلاق المدارس بشكل نهائي في حي غويران في مدينة الحسكة. مسؤولة هيئة التربية والتعليم في “مقاطعة الجزيرة” التابعة لـ”الإدارة الذاتية” سميرة حاج علي، قالت لـ”المدن”: “نحن في ثورة ولا بد أن يكون هناك مشاكل أو اعتراضات، وستحل خطوة بخطوة. ونحن الآن كإدارة ذاتية ندير جميع مدارس الجزيرة تقريباً، وقد قمنا بإدخال اللغة الكردية كما افتتحنا جامعة روج آفا لتأهيل كوادر في مقاطعة الجزيرة. ونحن نواصل العمل لرفع سوية التعليم ويجب أن نبني مستقبلاً مشرقاً لأولادنا. هنالك فرق كبير بيننا، فنحن كإدارة نظام ديموقراطي، والنظام السوري هو نظام دكتاتوري”.

الأستاذ محمود الماضي، وهو مدرس سابق للغة العربية في ثانويات القامشلي، قال لـ”المدن”، إن “هذا المنهاج هو تجميع يعتمد على الترجمة الكردية، وعدا أنّه غير مدروس ومعدّ بشكل صحيح فهو مسيس. وكأنّهم لا يُفرّقون بين السياسة ومبدأ التعليم الذي هو أبعد ما يكون عن السياسة. والحقيقة أن هذا المنهاج يؤجّج الطائفية والقوميات والانقسام في المجتمع، ويخلق جيلاً مؤدلجاً. فما هو الفرق عندما تحذف صورة بشار وتلصق مكانها صورة عبدالله أوجلان”. وأضاف “نحن نقول إنه من حقّ الأكراد أن تكون لهم مدارس خاصة تدرّس فيها لغتهم لكن أن تستولي مليشيات الإدارة الذاتية على كلّ مدارس البلد وتفرض منهاجها بقوة السلاح فهذه جريمة بحقّ الأجيال والوطن، وقد تسبّبت بإغلاق مئات المدارس وحرمان مئات آلاف الطلاب من حقّهم في التعليم”.

“المدن” تواصلت مع عدد من المعلمين الذين يُدرّسون المنهاج الجديد في منطقة ريف رأس العين، ممن أوضحوا أن الأهالي مجبرون على الوضع الحالي بسبب تهديد السلاح، ولكنهم أوضحوا أن المنهاج الجديد يعتبر مقبولاً نوعاً ما، لولا التقديس الزائد لعبدالله أوجلان، و”فكر الأمة الديموقراطية”. ولم تختلف الأمور كثيراً، بالنسبة لهؤلاء المعلمين، فالأمر مشابه لتقديس الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد و”حزب البعث” في المنهاج السابق. كما أن المنهاج الجديد لا يركز كثيراً على تعلم اللغات الأجنبية، وهناك أمر آخر متعلق بمحاولة إفهام الأطفال مصطلحات سياسية كبيرة مثل الفيدرالية والديموقراطية، وهذا أمر صعب جداً خاصة مع غياب الكوادر المؤهلة. لذا فقد لجأت “الإدارة الذاتية” إلى استبدال الكثير من المعلمين السابقين بمعلمين جدد موالين لها، بعضهم لم يُكمل دراسته الجامعية، والبعض منهم غير حاصل على شهادة الثانوية العامة، ما يؤثر سلباً على طريقة التدريس.

الصراع العسكري الذي طغى على المشهد بين مختلف القوى في الجزيرة السورية أخفى على ما يبدو صراع السيطرة على مستقبل المنطقة، عبر فرض مناهج تعليمية تخدم السلطات القائمة. فالنظام سبق وفرض منهاجاً عروبياً بعثياً يكرس تقديس الديكتاتور، ثم جاءت المعارضة السورية لتقوم بتعديل على منهاج النظام وتحذف كل ما يشير إلى النظام و”حزب البعث” مع الحفاظ على المادة العلمية وقد عممت هذا الامر على أرياف محافظة الحسكة عندما كانت فصائل الجيش الحر مسيطرة عليها. قبل أن يُغلق تنظيم “الدولة الإسلامية” المدارس ثم يفرض منهاجاً إسلامياً متطرفاً. وبعد طرد التنظيم من الحسكة جاءت قوات “الاتحاد الديموقراطي” وفرضت منهاجها لتكرّيس أفكار الفيدرالية وتمجيد عبدالله أوجلان، فأصدر النظام قراراً بإغلاق أي مدرسة تعمم المنهاج الجديد، وقطع الرواتب عن المعلمين فيها.

تغيّر الأساليب والمناهج، خلال السنوات الماضية، يدفع للتأمل في مستقبل جيل من أطفال الجزيرة السورية ضاع مستقبله وهو يتقلب من منهاج إلى آخر.

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق