هموم ثقافية

رواية النَّاجين

إذا كان ممكنًا -قبل قيام الثورة في سوريّة- كتابة أدبٍ عن السجون، فإنّ الكتابة عن هذه التجربة -بعد الثورة- باتت عسيرة، أو لعلَّها أشدّ عُسرًا بكثير مما يتخيَّله المرء.

فعلى الرغم من مغالاة عبد الرحمن منيف في روايتيه: “شرق المتوسّط” و”الآن.. هنا” -كونه لم يخض تجربة السجن، وإنما استقى موضوعه من قراءاته المتعدّدة، ومن سجناء رووا له وقائع تجاربهم- فإنّ ما جاء في عمليه الأدبيين هذين، أضحى أقلَّ بكثير من أهوال التعذيب والتنكيل، بل والإبادة التي جرت وتجري -بعد الثورة- ضد المعتقلين والمخطوفين على أيدي استخبارات الطغيان الحاكم.

والمقارنة تنفع موضوعنا. فقبل قيام الثورة، كان يُلاحظ -سواء في الكتب أو الشهادات المنشورة أو مما كان يُروى في الجلسات واللقاءات العامة- أن السجين لم يكن يروي تجربته بالتفصيل الكامل، ولا بالطلاقة التامّة، كما حدثت، وعاشها، وعانى منها. كان السجناء -وعلى الأخص منهم نزلاء سجن تدمر الرهيب- ينتقون من أعاجيب تجاربهم وحيثيّاتها ووقائعها، ومن خواطرهم الداهمة، وحالاتهم النفسيّة وهواجسهم الملازمة لساعات يومهم.. ما يُمكن “هضمها” في عقول السامعين أو القراء.

وبهذا المعنى، كان ثمَّة “مسكوتٌ عنه” على الدوام. ثمّة مُوارى ومُوارب. ثمة ما لا يُقال؛ لا خوفًا من العسس و “كتّاب التقارير”، ولا ارتداعًا من جرّاء اكتواء السجين بنار التعذيب والإذلال، ولا تحسُّبًا من أن يُعاد اعتقاله ثانية…إلخ؛ بل بسبب تحفّظه وخشيته من ألا يُصدّقه مَنْ يسمع كلامه، أو يقرأ كتابه أو شهادته؛ إذ في المحنة من الأهوال ما يفوق الخيال.

هذا كلُّه، قبل قيام الثورة؛ أي قبل أن تدهم الهستيريا رؤوس الطغمة الحاكمة، وأجهزة أمنها. أما بعد ذلك، فالمرئي على الأرض -خارج السجون والمعتقلات- مما ترتكبه السلطة وشبّيحتها -على مدار سنوات ست مضت- يبدو خارقًا وعجيبًا، لا عقل يعقله، ولا شبيه يُشابهه؛ حتى في شريعة الغاب وغرائز الحيوانات.

تُرى، ما الذي سيرويه السجناء والمعتقلون -ذات يوم- ممن شاءت الأقدار لهم أن ينجوا من الموت سحلًا وتعذيبًا وخنقًا ووأدًا، وأن يرووا؟ وما الذي ستصدّقه عقول السامعين من رواياتهم، وما الذي -من شطط الأهوال وفظاعة الكوارث- يمكن لتلك العقول أن تشكك في صدقيته؟ وهل ثمّة أشدّ أسى، للمظلوم والمُهان والمقهور، من أن يروي آلام روحه، وأوجاع جسده، ثمّ يرى روايته في عيون الآخرين، مُتأرجحة بين احتمالي الحقيقي والمُتخيّل؟

تساؤلات كهذه تطرح نفسَها -المرة بعد أخرى- كلّما مرت السنون على المحنة السورية، بحيث لا يتبقّى من قول فصل، أو شهادة موثوق بها -أو قابلة لتصديق العقول- سوى وثيقة المرئي المسموع، من أرض الكارثة، وعين المحنة، ومجرى عمليّات الإبادة التي لحقت بالسوريين؟

سيواجه الكلام -المروي أو المكتوب- كلامًا مضادًا، كما يواجه الحديث عن استبداد آل الأسد -منذ الأشهر الأولى للثورة، حتى اليوم- حديثًا معارضًا، لا من المتابعين خارج البلد فحسب، وإنما من أبناء البلد أنفسهم أيضًا. ولهذا سيكون المرئي المسموع المرجع الأقوى والأشدّ أثرًا وتأثيرًا وإقناعًا. الأمر الذي يُحيل إلى حال كتّاب الأعمال المتنوّعة من قصة وشعر ورواية ومسرح، مما يُصنف تحت اسم “أدب السجون”.

مقالات ذات صلة

إغلاق