قضايا المجتمع

حملة التشجير في السويداء… نظام يخاف من الأشجار

السوريون كالأشجار، لا يموتون، وإن ماتوا يولدون من جديد. السوريون يعشقون الأشجار مثلما يعشقون الحياة والحرية؛ لذا، فهم يردون على نظامٍ يقطعها ويحرقها، بزرعها من جديد، ويرد على حملتهم الرائعة لزرع شجرة الحياة والأمل بمنعهم من استمرار الحملة، بلغة التهديد والوعيد التي لا يتقن غيرها.

في محافظة السويداء الواقعة في الجنوب السوري، السويداء صاحبة الإرث الوطني والمعرفي والفني كبير، السويداء التي كانت شرارة الثورة السورية الكبرى، ضد الفرنسيين في 1925، وجرت على أرضها أهم معارك التحرير السورية، وقدمت ثلثي شهداء الثورة السورية الكبرى، السويداء بلد سلطان الأطرش، وبلد العز، تردُّ الآن على نظامٍ يجوع أهلها ويمنع عنهم الكهرباء والمازوت، وكل وسائل التدفئة، نظام يسهم، بغض الطرف، في قطع أعداد كبيرة جدًا من الأشجار الحراجية، وتحويل تلك الغابات التي عمرها آلاف السنين إلى صحراء تحاصر المدينة مثلما تحاصر القلب.

في تلك المحافظة بدأت، نهاية الشهر الماضي، حملة أهلية واسعة؛ لإعادة تشجير المساحات التي كانت خضراء، قبل أن يُعتدى عليها، وتُحطب تحطيبًا وحشيًا، وقد لاقت الحملة صدى عند كل شرائح المجتمع في المدينة، وبدأت تنتشر من قرية إلى قرية، بمشاركة فاقت التوقعات من الرجال والنساء والأطفال والشبان؛ وحتى من كبار السن، وكانت ردًّا حيًّا على ثقافة السكوت التي بدأت تغلغل في حياة السوريين.

ربما لا يوجد بيت سوري الآن لم يُدفن أحد أبنائه في هذه الأرض؛ لذا، فقد كان الإقبال على زرع شجرة الحياة محاولةً أخيرةً لإعادة فرح ربيع ولو كان خجولًا، إلى قلوب قتلها القهر. جاءت الحملة التي بدأت مرحلتها الثانية الأسبوع الماضي، استجابةً لدعوات ناشطي المجتمع المدني في السويداء، مثل “الهيئة الاجتماعية للعمل الوطني في السويداء”، ومجموعة “أبناء السنديان”، وعددٍ من الشخصيات الاجتماعية والثقافية، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إلى حملة التشجير التي بدأت الشهر الماضي.

وكانت الهيئة الاجتماعية للحملة قد دعت إلى المشاركة فيها عبر صفحتها على “فيسبوك” وكتبت: “الحملة نوع من الرد على قطع الأشجار المستمر من دون وازع من ضمير، ولا رادع من أخلاق، وإن الهيئة الاجتماعية تدعو أعضاءها كافة، وكل مَن يرغب من المواطنين إلى حملة تشجير طوعية”. وقد تفاعل عدد كبير من شخصيات المحافظة مع الدعوة، ولا سيّما من المنتمين إلى منظمات العمل المدني في السويداء، ومنهم الناشط خالد جمول الذي كتب في صفحته “حين نهبّ جميعًا بالآلاف، لنجدة الشجرة، فإننا نبرهن، لأنفسنا ولقتَلتنا، أننا قادرون على قطع اليد التي تعبث بأمننا وقوت يومنا ومستقبلنا”.

أما الكاتب والباحث فوزات رزق، وكان أول الداعمين للحملة، فقد أطلق، في صفحته في “فيسبوك”، شعارًا للحملة بعنوان “معًا لجعل منطقتنا خضراء”، وقد لاقت دعوته كثيرًا من الإعجاب والتفاعل معها، نظرًا إلى ما تمثله شخصيته من بُعدٍ معرفي واجتماعي عميق.

منذ بدء انطلاق المشروع في الشهر الماضي، نفذت مجموعة “أبناء السنديان” عدّة حملات، في أماكن متفرقة من المحافظة، كانت أولاها في منطقة صلخد الجبلية العالية التي تعرضت لأكبر نسبة من قطع الأشجار الجائر، إذ غُرس نحو 10 آلاف غرسة، في موقع “تل عبد مار”، بأيدي سكان المدينة، وأهل القرى التابعة لها. ثم نفذت المجموعة حملةَ تشجير، في الشهر ذاته، في موقع تل عمار بن ياسر، في بلدة عريقة التي قال رئيس مجلس بلديتها طارق الشامي: “إننا نريد أن نلفت النظر إلى أهمية حملات التشجير؛ تأكيدًا على أهمية الشجرة اقتصاديًا وبيئيًا واجتماعيًا؛ لأنها رمز الخير والعطاء”، وأكد دور المجتمع المحلي في حماية البساط الأخضر، والحفاظ على الثروة الحراجية. وقال رئيس دائرة حراج السويداء المهندس أنس أبو فخر: “وُفرت 1000 غرسة حراجية لتنفيذ الحملة الثالثة في “غابة العين” القريبة من مدينة السويداء، وهي الغابة التي لم يبق من أشجارها الحراجية سوى قليل؛ لعدم وجود وسائل التدفئة، وبسبب غض “الحكومة” طرفها عن العصابات التي تقطع الأشجار الحراجية وتتاجر بها، وتتحكم بسعر الحطب في المحافظة التي تعرضت لقطع متوحش للأشجار فيها، شمل أكثر من 10 آلاف شجرة. وفي السياق نفسه نفذت فاعليات المجتمع المحلي في قرية “رضيمة اللواء” في ريف السويداء الشمالي حملةَ تشجير، غُرست فيها 400 شجيرة حراجية ضمن القرية ومداخلها.

وبعد استشهاد الشبان الثلاثة في الهلال الأحمر، فرع السويداء، في أثناء ذهابهم إلى مساعدة الوافدين القادمين إلى المحافظة من المدن التي دمرها النظام (درعا، وريف دمشق) دعت جمعية “أبناء السنديان” إلى غرس نحو 1100 غرسة حراجية على طريق دمشق- السويداء، في موقع الحادث الذي أدى إلى خسارة ثلاثة من رجال الهلال الأحمر، وشارك في الحملة عددٌ كبيرٌ فاق التوقعات، وقد عمّت حال من تحدي الموت المتربص في كل زاوية، ومن الألفة بين المشتركين تمثلت بغناء أغنيات شعبية، امتزج فيها الحزن بحبّ الأرض الذي لا يموت.

وكان اللافت مشاركة “شيخ عقل الطائفة الدرزية” الشيخ حمود الحناوي في تلك الحملة؛ إذ خرج الشيخ التسعيني مع الناس، وشاركهم في الفاعلية وأصدر تحريمًا دينيًا بقطع الأشجار من الغابات.

اليوم وبعد كل هذا التعب والجهد الذي بذله الناشطون الداعون للحملة، وبعد كل هذا النجاح الذي حققته الحملة، يأتي أمرٌ من فرع “حزب البعث” في السويداء، بإيقاف الحملة، وقد جاءت تعليمات الحزب لتمنع أي نشاط غرسٍ، يزيد فيه عدد المشاركين على ثلاثة أشخاص، من دون الحصول على موافقة أمنية لكل شخص مشارك في الحملة. وإلا فإن المشاركين سيتعرضون لمساءلة أمنية، أي للاعتقال والتعذيب، وهدد فرع الحزب بأن “مديرية الحراج في السويداء لن تسقي أي شجرة زُرعت”، من دون موافقة أمنية.

يخاف النظام من أي مبادرة مدنية وطنية، إنه نظام مذعور، يخاف من الحياة حتى في الأشجار، ويخاف من أي تجمّع للناس، ولو كان لزراعة شجرة، وربما يخاف أيضًا من العصافير التي قد تأتي وتقيم يومًا في تلك الأشجار.

لكن الأهم والأجمل هو ردّ المنظمين والداعمين لهذه الحملة والناشطين المدنيين والأهالي، وتمثل في عدم التزامهم بتهديدات فرع “حزب البعث” في السويداء، وأعلنوا، في صفحاتهم الشخصية وصفحة “أبناء السنديان”، أنهم ما زالوا مستمرين في حملة زرع الأشجار الحرجية في أراضي محافظة السويداء، ضمن المراحل المخطط لها سابقًا، ولن تثنيهم تهديدات “حزب البعث” الذي يمثل الوجه الحقيقي لنظام أمني مرعوب.

يستمر الناشطون في موقفهم على الرغم من أن “شبيحة النظام” اقتلعوا شجيرات تفاح، زرعها أحد الناشطين، في بستانه الخاص في ظهر الجبل، ردًّا وحشيًّا على استمرار مشاركته في الحملة، وتهديدًا صارخًا لغيره من الناشطين الذين ما زالوا مستمرين في حملتهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق