مقالات الرأي

حين انتقل السوريون إلى العالم الافتراضي!

يُقال: ربَّ صدفة خير من ميعاد!

لم يكن السوريون قبل ست سنوات على موعد مع الثورات العربية؛ كي يقوموا بثورتهم. كانوا -في الحقيقة- يحاولونها كلما وجدوا الفرصة سانحة، بطريقة أو بأخرى. وكانت ثورات أشقائهم في تونس ومصر وليبيا واليمن فرصة كبرى، فلم يتوانوا، وهم يؤيدون هؤلاء الأشقاء، عن أن يقوموا في آذار/ مارس 2011 بثورتهم التي لا تزال، على الرغم من كل المظاهر الخادعة، وعلى الرغم من كل العقبات والآلام، مستمرة حتى اليوم.

ولم يكونوا على موعد مع سلاح شديد الأهمية في مجال الحركات الجماعية أنجزه عصرنا: سلاح الشبكات الاجتماعية، مدعومًا بوسائلها المختلفة، ولاسيما منها الهاتف النقال وقدراته المختلفة، وخصوصًا في التسجيل الحي وفي التصوير، التي يتضمنها. اختلف، على هذا النحو، عام 2011، وهو عام ثورتهم، عن عام 1082، وهو عام مجزرة حماه التي اقترفها النظام الأسدي خلال ما يمكن أن نطلق عليه: مرحلة ما قبل وصول آثار هذا العصر الرقمي إلى سورية. مجزرة لم تحظ من الصحافة العالمية بأكثر من سطور عدة في صفحاتها الداخلية: فقد نقلت الخبر وأرقامًا افتراضية لعدد ضحايا مجزرة لم يندِّد بها أحد في العالم كله، على الرغم من معرفة العواصم الكبرى ومراكز القرار على الصعيد الدولي بكل تفاصيل ما جرى.

وعلى أن وجود المواقع على الشبكات الاجتماعية قد بدأ في تسعينيات القرن الماضي، إلا أن انتشارها الحقيقي لم يبدأ إلا مع منتصف العقد الأول من القرن الحالي، مع موقع يوتوب عام 2005 الخاص بكل ضروب الفيديو، ومع انفتاح شبكة الفيسبوك عام 2007 على الناس جميعًا، وفي كل بقعة من العالم ــ بعد أن اقتصرت ابتداءً من سنة إنشائها، 2004، وخلال سنوات ثلاث، على طلبة جامعة هارفارد في الولايات المتحدة الأميركية ــ بحيث أمكنها أن تتفوق على سواها من الشبكات بسرعة مذهلة، ثم أن تتصدر قائمة هذه المواقع على اختلافها.

على هذا النحو أتيح شيئًا فشيئًا للسوريين منذئذ، ولا سيما للشباب منهم، مقاربة عالم آخر ومعرفة قوانينه واكتشاف آفاق إمكاناته. ولسوف يحسنون استثماره، مثل رفاقهم في مدن تونس ومصر، منذ اللحظة الأولى التي انطلقوا فيها معلنين شعار الثورة الأول في الكرامة: الموت ولا المذلة، ثم مطالبين بسقوط النظام ورحيل رأسه.

لم يكن النظام الأسدي يتوقع أن تنتشر صور وأفلام ممارساته الإجرامية اليومية تجاه المتظاهرين في المدن السورية في صحف العالم أجمع، وفي مختلف مواقع الشبكات الاجتماعية. فأنكر أن يكون أمام ثورة شعبية ضد استبداد شمولي دام نيفًا وأربعين عامًا. وزعم، منذ البداية، أنه يواجه “مؤامرة كونية” قوام أركانها خليط من السلفيين والمأجورين تحركهم بعض دول الخليج ــ التي كانت إلى عهد غير بعيد آنئذ، أقربها إليه سياسة ومودة ــ فضلًا عن مشجبه المفضل: إسرائيل والصهيونية العالمية. لذلك سرعان ما أطلق أعوانه “جيشًا إلكترونيًا” لمواجهة الثورة والثوار في مختلف مواقع الفضاء الافتراضي، كي يتمكن من بثِّ خطاب النظام وتخريب كل موقع شخصي أو جماعي، يمثل خطرًا إعلاميًا يهدده؛ إذ ينشر على الملأ أكاذيبه ويفضح قوامه الأساس: سلطة استبداد وعنف وإجرام تحت غطاء المقاومة والممانعة.

لهذا صار الحساب الشخصي في الفضاء الافتراضي والهاتف النقال، وما يحتويه من رسائل وصور وفيديوهات أداتي جرم موصوف في نظر أجهزة النظام الأسدي الأمنية. فكانت كلمة السر وجهاز الهاتف أول ما يبحث عنه رجال الأمن حين يقومون باعتقال شباب الثورة في أثناء المظاهرات. لكن الشباب مع ذلك، وقد ارتجلوا مهنة الصحفي والمراسل الحربي، استطاعوا مواجهة هذه الحرب الموازية بذكاء ومهارة، وتمكنوا من الاستمرار في نشر الصور أو التقارير عما يحدث في لمدن السورية المختلفة على صفحاتهم، أو عن إرسالها إلى مراسلي الصحف ووكالات الأنباء المختلفة.

لم يحطم السوريون جدران الخوف جميعًا؛ إذ ثاروا لاستعادة كرامتهم فحسب، وإنما استحوذوا من جديد على فضاء حرية أتاح لهم أن يطلقوا العنان للتعبير عن آرائهم بعد صمت أرغموا عليه خلال ما يقارب نصف قرن، ودفع بعضهم خلاله، ثمنًا غاليًا عند محاولتهم كسره.

ولئن اضطر ملايين السوريين إلى الانتشار لاجئين في وطنهم، أو في جهات الأرض الأربع، فإنهم سوف يألفون، أيًا كان الجيل الذي ينتمون إليه، هذا العالم الجديد الذي بات في متناول أيديهم من حيث لم يتوقعوا. ولسوف يصير بالنسبة إليهم فضاء اجتماعاتهم ولقاءاتهم وحواراتهم وخصوماتهم وشجاراتهم، بل وكذلك مكان تسلياتهم ومسراتهم ومجال التعبير عن هواجسهم أو مخاوفهم أو آلامهم.

كما لو أن العالم الافتراضي هذا، وقد بات اليوم ملاذًا لعدد لا يحصى من السوريين، يقدم عينة تمثل مكوناتهم وانتماءاتهم الاجتماعية والجغرافية المختلفة، مثلما توضح معتقداتهم وأهواؤهم؛ إذ ربما كانوا بين أكثر شعوب الأرض اليوم استخدامًا له واستثمارًا لإمكاناته. ومن هنا، يمكن النظر إليه بوصفه مرآة تعكس مشكلاتهم الاجتماعية، وهمومهم اليومية الفردية والجماعية، ونظراتهم ومواقفهم، والطرق التي يسلكونها في التعبير عن أنفسهم، أو في رؤية بعضهم لبعض. هكذا صار ما يُقال خلف جدران البيوت في حذر، أو في حلقات الأصدقاء في المقاهي همسًا، يقال علنا وعلى مسمع من الجميع. إذ لا جدران لهذا العالم ولا حدود. بما أنه عالم الفرد بقدر ما هو عالم الجميع.

لا رقابة لغوية على ما يقال، ولا رقابة اجتماعية كذلك. فالحرية شبه مطلقة ما دامت لا تخترق الحدود القصوى للشبكة المستخدمة. ههنا وجد السوريون ضالتهم، بعد أن أُرغموا على الصمت طوال سنوات نصف قرن، يغضبون ويشتمون وينقدون، يعطون لأنفسهم الحق في النقد وفي التجريح بحق أو بغير حق. لا يراقبون في ذلك مبدًا ولا برهانًا.  بل لقد صار من بينهم من بات نجم بعض هذه الشبكات الاجتماعية، ولربما دفعت نجومية بعض منهم إلى ظنٍّ سريع بزعامة افتراضية، تعطيه الحق في إصدار الأحكام التي تدغدغ عواطف بعضهم، أو تساير ميول بعضهم الآخر من المريدين!  هكذا يسع المرء أن يلتقي كثير ممن اتخذوا من الشعبوية طريقة يلتمسون بها إعجاب الآخرين. وربما يجد بهذه المناسبة قانون غريشام الشهير: “النقود الرديئة تطرد النقود الجيدة من السوق” في العالم الواقعي، تطبيقًا له في العالم الافتراضي على الأشخاص وعلى الكتابات في آن واحد.

لعل ذلك كله يحمل مراكز الدراسات والبحث المهتمة بالشأن السوري على القيام بتحقيق وإنجاز دراسة اجتماعية ميدانية مقارنة للسوريين في عالميهما الواقعي والافتراضي، من أجل محاولة رصد للشخصية السورية كما تتجلى اليوم قولًا وسلوكًا، بما يتيح إمكان إلقاء الضوء على تكوينها النفسي والاجتماعي ورسم ملامحها الرئيسة.

مقالات ذات صلة

إغلاق