ترجمات

نيو يورك تايمز: هل سرق ترامب أدوات الفلسفة النقدية؟

دامون وينتر/ نيو يورك تايمز

الحقيقة مرنةٌ أو قابلةٌ للثني في بلاد ترامب.

في آذار/ مارس، أطلق الرئيس تغريدةً، اتهم فيها الرئيس السابق، باراك أوباما، بالتجسس على برج ترامب، وتجاهل هذا الادعاءُ أعضاء جمهوريون في لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، ومدير وكالة الاستخبارات الاتحادية (ف.بي.إي)، جيمس كومي، ولكن فريق ترامب ضخم الأمر، وشطب تقارير لوسائل الإعلام، وأصرَّ على أنَّ أدلة التنصت ستظهر قريبًا، لكنها لم تظهر.

نحن معتادون على هذا النمط؛ حتى الآن: يختلق الرئيس الأكاذيب المفيدة، بعدّها “وقائع بديلة”، ويخفي الوقائع غير المريحة بعدّها “أخبارًا مزيفة”. بإشعاله شغفًا محافظًا، وغضبًا ليبراليًا، يثير ترامب الارتباك حول غموض المعرفة المستقرة، ومن خلال التأكيد المطلق يرفع الاعتقاد إلى منزلة الحقيقة.

يجب أن تكون قواعد ترامب مألوفةً لأيّ طالبٍ يدرس نظرية وفلسفة نقدية، وغالبًا ما يبدو أن ترامب قد سرق أفكارنا، وتسلح بها.

في أمد عقود فككَّ العلماء الاجتماعيون النقديون والإنسانيون فكرة الحقيقة. لقد فكّكنا الحقائق، وأصرَّينا على أنّ المعرفة متموضعةٌ، ونفيّنا وجود الموضوعية.

الادعاء الأساسيّ للفلسفة النقدية، بالعودة إلى كانط، بسيطٌ: لا يمكننا -أبدًا- أنْ نمتلكَ معرفةً مؤكدة عن العالم في كليته؛ لذلك، فإنَّ الادعاء بمعرفة الحقيقة هو نوعٌ من تأكيد السلطة.

هذه الأفكار تحفز، وتنعشُ عمل المفكرين المؤثرين، مثل نيتشه، وفوكو، ودريدا، وقد باتوا بديهيين لكثيرٍ من الباحثين في الدراسات الأدبية، والأنثروبولوجيا الثقافية، وعلم الاجتماع.

من هذه المسلّمات اشتقَّ فلاسفةٌ ونظريون عددًا من الرؤى ذات الصلة؛ الأولى هي أنّ الحقائق ذات بناء اجتماعي. الناس الذين ينتجون حقائق، علماء، وصحافيون، وشهود، يفعلون ذلك من موقعٍ اجتماعي معين (ربما هم بيض وذكور ويعيشون في أميركا)، يؤثر في كيفية تصوّرهم، وتفسيرهم، وحكمهم على العالم. وهم يعتمدون على أساليبَ غير محايدةٍ (المجاهر، والكاميرات، والمعاينة)، ويستخدمون رموزًا غير محايدة (الكلمات، والأرقام، والصور)؛ لتوصيل الحقائق إلى الناس الذين يتلقونها، ويفسرونها، وينشرونها من مواقعهم الاجتماعية.

سمِها ما تشاء؛ النسبية، والبنائية (نظرية التعلم؛ فهي رؤية في نظرية التعلم ونمو الطفل، قوامها أن الطفل يكون نشطًا في بناء أنماط التفكير لديه نتيجة تفاعل قدراته الفطرية مع الخبرة)، والتفكيكية، وما بعد الحداثة، والنقدية. الفكرة هي نفسها: الحقيقة لم يُعثر عليها، ولكنها تُصنع، وصناعة الحقيقة تعني ممارسة السلطة.

النسخة المختزلة هي الأبسط والأسهل أن تتهم الحقيقة بأنها الخيال، وأيّ شيء يمضي. إنه هذا الإصدار من النظرية الاجتماعية النقدية التي استولى عليها اليمين الشعبوي، وجعل منها ترامب سلاحًا قويًا.

يمكن للمرء أن يعترض على أن تجاهل ترامب للحقيقة ليس شيئًا جديدًا؛ إذ كان الرؤساء الأميركيون، دائمًا يلوون الحقائق لتلائم أجنداتهم، ودائما تجاهلوا الحقائق التي هددت بأن تُغرقهم. حتى ادعاء جورج واشنطن العظيم بالنزاهة – بأنّه أقرّ بقطع شجرة كرز – كان خداعًا. ويمكن للمرء أيضًا أنْ يجادلِ في أنَّ ترامب مكيافلي أكثر منه فوكوي( نسبة إلى ميشيل فوكو، الفيلسوف الفرنسي)، وأنه لا يعتقد فعلًا بما يقول: فهو ينشر التضليل استراتيجيًا، لإثارة قاعدته، وتشويه خصومه.

لا شك في أنّ الرؤساء السابقون قد كذبوا. وترامب لا شيء أكثر من مناور كلبيّ، لكنَّ علاقة ترامب بالحقيقة تبدو جديدة؛ لأنه لا يحاول أن يخفي نسبيته.

الهجرة المكسيكية، والإرهاب الإسلامي، والتجارة الحرة: بالنسبة إلى ترامب، الحقيقة هي دائمًا حول كيف يشعر الناس أكثر مما يمكن التحقق منه تجريبيًا. يعترف ترامب بقدرٍ كبير في “فن الصفقة”، إذ يصف استراتيجية مبيعاته بأنّها “مبالغةٌ صادقة”. بالنسبة إلى ترامب، الوقائع هشةٌ وقابلةٌ للكسر، والحقيقة مرنة.

ربما لا ينفق ترامب، وستيفن بانون أمسياتٍ في البحث عن “المصطنع والاصطناع ” لـ جان بودريار (منظر ثقافي وفيلسوف، ومحلل سياسي، وعالم اجتماع، تصنف أعماله -أساسًا- ضمن مدرسة ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية) أو “حفريات المعرفة” لـ ميشيل فوكو (على الرغم من أن مستشارة بانون، جوليا هاهن، كتبت أطروحة تخرجها الجامعية، حول مُنظّر التحليل النفسي ليو بيرساني). لكن التشابهات بين هجمات ترامب على معرفةٍ مقبولة، وإصرار الفلسفة النقدية التي نستنطق بها ادعاءات الحقيقة، تشير إلى أنْ ليست كلّ الهجومات على سلطة الحقائق ثورية.

في الواقع رأى المُنظّر الاجتماعي برونو لاتور (فيلسوف وأنثروبولوجي وعالم اجتماع فرنسي)، أنَّ ترامب يعود إلى عام 2004. في كتابه “لماذا يستنفذ النقدُ قواه؟”، لاحظ لاتور أنَّ المحافظين قد بدؤوا في استخدام أساليبَ مماثلة لأساليب النظرية النقدية؛ لإبهام المناقشات حول قضايا، مثل تغير المناخ، التي تتطلب اتخاذ إجراءٍ فوري وحاسم.

كان المحافظون يثيرون شكوكًا حول واقع السخونة الكوكبية من خلال الإشارة إلى “نقص اليقين العلمي” حول هذه المسألة. كان لاتور قد أجرى مساءلةٍ مهنية عن “اليقين العلمي”، وشككّ في أنَّ “أسلحته” النقدية قد “هُربت” إلى الجانب الآخر:

لا تزال برامج كامل الدكتوراه تعمل للتأكد من أنّ الأطفال الأميركيون الجيدون يتعلمون الطريقة الصعبة التي تتكون من الحقائق، وأنّه لا يوجد شيءٌ مثل الوصول الطبيعي، وغير الزائف، وغير المتحيز إلى الحقيقة، وبأننا نحن دائمًا أسرى اللغة، ودائمًا نتحدث من وجهة نظرٍ معينة، وما إلى ذلك، في حين أنّ المتطرفين الخطرين يستخدمون حجة البناء الاجتماعي نفسها؛ لتدمير الأدلة التي حصلنا عليها بشق الأنفس، ويمكن أن تنقذ حياتنا.

لقد جادل بعض الليبراليين في أنَّ أفضل طريقةٍ لمكافحة النزعة المحافظة هي الإصرار على وجود الحقيقة، وموثوقية الحقائق الصعبة، ولكنَّ الإيمان الأعمى بالموضوعية، والحقيقة الواقعية لوحدها، لم يثبت أنّه طريقٌ واعد إلى الأمام.

حتى لو شعرنا بالراحة في التأكيد على وجود شيء من قبيل “الحقيقة”، فلا يعود إلى الأيام التي وافق فيها الأميركيون على قضايا واقعية -عندما كانت المناقشات حول السياسة تسترشد بالالتزام بالحقيقة والعقل. في الواقع، يرينا النقد أنّه من المشكوك فيه أن تلك الأيام، لم تكن موجودةً، مثل أميركا ترامب “العظيمة”.

لهذا السبب نفسه، لا تزال تلك الاستراتيجيات مفيدةً، مهما أُسيء استخدام أشياء كثيرة مثلها، وكيفما كان قد وظفها بلا مبالاةٍ، بعض المنظرين النقديين والفلاسفة. حتى في “حقبة ما بعد الحقيقة”، یسمح لنا الموقف النقدي بأنْ نستنطق أنظمة الفکر السائدة، سواء استمدوا السلطة من مظهرٍ حيادي، أو موضوعي، أو حتمي أو من أكثر مناشدةٍ ترامبية نحو حقائق بدیلة، تستغني عن الأدلة التجريبية. وفي عالمٍ لا يزال المشرعون يناشدون فيه الحس السليم؛ لتعزيز السياسات الرجعية، يظل النقد أداةً مهمة لأيّ شخصٍ يسعى إلى تجاوز الوضع الراهن.

ذلك؛ لأن طرق التفكير النقدية تتطلب أن نقارب المعرفة باهتمام وتواضع، وأنْ ندركَ أنّه في حين قد تنشأ الحقائق، لا تنشأ كلّ الحقائق على قدم المساواة.

بينما يدعو ترامب، في كثيرٍ من الأحيان، إلى العواطف أكثر من الحقائق -أو حتى إلى الحس السليم- يمكن أن يساعد النقد أولئك الذين يعارضونه في التساؤل عن النسخة الترامبية من الواقع. ولا يسعنا أن نسأل: ما إذا كان التصريح صحيحًا أم مغلوطًا، ولكن كيف ولماذا صُنع، وما الآثار التي ينتجها عندما يشعر الناس بأنّه صحيح.

إنَّ الاهتمام بالكيفية التي تُنشأ بها المعرفة، واستخدامها، يمكن أن يساعدنا في تحمّل قادة، مثل ترامب، عرضةً للمساءلة عما يقولونه.

وإذا كنا استنطقنا جميع الأفكار -وليس تلك التي نكرهها- ربما انتقاداتنا يمكن -أيضًا- أنْ تكشف طرقًا جديدة من التفكير، وتقترح الاحتمالات السياسية التي لا نحلم بها من ترامب، أو من خصومه الوسطيين.

 

اسم المقالة الأصلي Has Trump Stolen Philosophy’s Critical Tools?
الكاتب كايسي ويليامز، Casey Williams
مكان النشر وتاريخه نيو يورك تايمز، The New York Times، 17/04/2017
رابط المقالة https://www.nytimes.com/2017/04/17/opinion/has-trump-stolen-philosophys-critical-tools.html?em_pos=small&emc=edit_ty_20170417&nl=opinion-today&nl_art=8&nlid=77714386&ref=headline&te=1&_r=0
ترجمة أحمد عيشة

مقالات ذات صلة

إغلاق