مقالات الرأي

ضعف مناقشات السوريين واختلافاتهم

حتى الآن، وعلى الرغم من مرور ستة أعوام من الثورة السورية التي يُفترض أنها تعادل عدة عقود من السنين، بالاختبارات التي مرّت بها، والأفكار التي حرّضت عليها، والخبرات التي اختزنتها، والأثمان الباهظة المدفوعة فيها، لا يبدو أن ثمة ما يتلاءم مع ذلك من نهوض أو نضج أو حراك في التجربة السياسية الجمعية، ولا أقصد الفردية، للسوريين.

للأسف، لم يحدث بعد، لا على صعيد الخطابات، ولا على صعيد بناء الكيانات السياسية، ولا حتى على صعيد محاولات صوغ الهوية أو الروح السورية، عند السوريين، إلا ما يبدّد تضحياتهم ويقيّد، أو يحدّ، من قدرتهم على صعيد مصارعة النظام، أو استثمار هذا الصراع في مكاسب سياسية ملموسة، ونشهد مزيدًا من التشتّت والضياع.

الأمر يتعلق أساسًا بطبقة السياسيين والمثقفين والفئات المتوسطة، أي تلك الفئات التي تبدو عصب أي مجتمع، وتقع عليها مسؤولية التحديث والتغيير، وتمثل هموم وتطلعات معظم المواطنين في المجتمع المعني.

في الواقع تبدو هذه الطبقة، بسلبيتها وتواكلها وتشتّتها، وروح الريبة التي تتملّكها، أكبر تعبير عن الفشل الأساسي في الثورة السورية، ونحن نتحدث هنا، مثلًا، عن عدم القدرة، حتى الآن، على بناء كيان سياسي جبهوي بمعنى الكلمة، وعدم التوصل إلى توافقات على صورة سورية المستقبل المنشودة، البديلة من النظام، بعيدًا عن التصورات الأيديولوجية والهوياتية والفئوية. والمعنى أن الفكرة -هنا- تتعلق ببلورة رؤية وطنية ديمقراطية شاملة، لا تنتقص من حقوق أحد، لا الفردية ولا الجمعية، ولا تقصي أي أحد، مع علمنا أن المشروعات السياسية الحية لا تتحدد بالسلب، أو بالهدم، أو بالتفكيك فقط، وهذا يشمل الواقع الذي تريد تغييره، وإنما تتحدد، أيضًا، بما تريد بناؤه، أي المستقبل الذي تعد شعبها به.

يشمل ذلك غياب الحراك بين الأطراف الفاعلة في الشأن السياسي، مع كل التقدير لبعض الحراك الحاصل، وتبدو كل جماعة فيه كأنها تتحرك في دائرة مغلقة أمام الجماعات الأخرى. وبالطبع يدخل ضمن ذلك غياب المراجعات النقدية، الجمعية وليست الفردية أيضًا، على الرغم من كل ما كشفته مسارات هذه الثورة من مشكلات وأخطاء ومراهنات وتقصيرات، فاقمت التحديات والتعقيدات والصعوبات التي تمر بها.

لنأخذ هنا، مثلًا، المعركة التفاوضية، أو مسار جنيف، ولا سيما جنيف 5، بالقضايا أو بـ “السلال” المطروحة على جدول أعمالها، إذ حتى الآن لا توجد وجهة نظر جمعية شاملة تتبنّاها المعارضة، ولا حتى في مستوى المعارضة المتمثلة بالائتلاف وبالهيئة العليا للمفاوضات؛ إذا استثنينا الحديث عن بيان جنيف 1 (2012)، والحديث عن تشكيل هيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة. فحتى في هذا الشق الطبيعي من الموقف، فإن المعارضة تتناسى أنها كانت رفضت البيان المذكور في حينه، لظنها أنها قاب قوسين أو أدنى من إسقاط النظام، ومراهناتها على الخارج، في حينه. أما ما يخصّ هيئة الحكم الانتقالي فإن رؤية الهيئة العليا للمفاوضات تحولت نحو هدف إقامة حكومة مشتركة من النظام والمعارضة ومستقلين، وهذا ما نص عليه -أيضًا- قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، الأمر الذي ينساه كثر في المعارضة في عرض مواقفهم، لحسابات مبدئية وصلابة ثورية، في غير محلهما، وفي واقع تبدو فيه المعارضة في أضعف حالاتها، مع تدني قدراتها وانحسار مكانتها في مجتمعها، ومن واقع أنها في الحقيقة مرتهنة للدعم الخارجي.

أيضًا، في النقاش حول المسألة التفاوضية تتناسى بعض أوساط المعارضة، أو يغيب عن بالها، أولًا، أن المفاوضات الحقيقية لا تجري في جنيف، أي لا تجري بين الجالسين على طاولة المفاوضات (النظام والمعارضة)، علمًا أن جلسة -كهذه- لم تحدث إطلاقًا، من جنيف 1 إلى جنيف 5، وإنما تجري بين الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة في الصراع السوري، وخاصة الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا، مع أدوار أقل لأطراف أخرى. وثانيًا، أن المعارضة ذاتها لا يوجد لديها رؤية واضحة حول ما تريد، وأنها هي بذاتها معارضة غير موحدة، ولا تعبر عن كيانات سياسية ذات تمثيلات مجتمعية وازنة، وأن قدراتها محدودة، وأنها لا تملك ما يمكنها من السيطرة على الصراع الجاري نحو فصائل المعارضة العسكرية، وأن نحو نصف السوريين باتوا خارج دائرة الصراع الفعلي، إما لاجئين أو نازحين أو محاصرين. ثالثًا، أن الفاعلية لا تقاس، من الناحية العملية، بدلالة الشعارات والمواقف، مهما كانت مبدئية وثورية وشرعية وعادلة، وإنما هي تقاس بالقدرات والإمكانات والمؤهلات الذاتية، وضمن ذلك توفير الشروط التي تسمح باستثمار ما يمكن من مواقف دولية وإقليمية وعربية؛ للتعويض عن ضعف القدرات الذاتية، لا العمل عكس ذلك، بدعوى المبدئية والثورية.

لا مخرج للسوريين، وأقصد القوى الفاعلة عندهم، إلا بالتحلي بالمسؤولية الوطنية، والروح الجمعية، والقبول بالأخر، وتعلّم العمل في المشتركات مع الاختلافات، والتحلّي بالروح النقدية بدل الإنكار والمكابرة، وضمن ذلك نبذ عقلية الإقصاء والارتياب والمحاصصة والوصاية والشخصنة والشللية وادعاء احتكار الحقيقة أو الوطنية.

حتى الآن لا استفادة من التجارب المريرة التي مرت، فإلى متى؟ وكم سيبقى السوريون في هذه الحال من الضياع؟

مقالات ذات صلة

إغلاق