ترجمات

مجلة الإيكونومست: سياسة ترامب الخارجية تبدو معتادة أكثر من المنتظر

بنزوة وتضرع

مع تحذيرين

 

عدّ كثير من المشرعين الأميركيين دفعَتي صواريخ الكروز اللتين أطلقهما بيل كلينتون، في آب/ أغسطس 1998، ضد ما اشتُبه في أنه مصنع أسلحة كيماوية في السودان، وفي مخيم للقاعدة في أفغانستان، بغير فاعلية، والأسوأ من ذلك اعتراف السيد كلينتون بعلاقته الحميمة مع مونيكا لوينسكي قبل الضربات بثلاثة أيام، هل كان قد اتخذ العبرة من فيلم هوليوود الصادر لتوه “ذيل الكلب” “Wag the Dog”، والذي يقوم فيه رئيس افتراضي باختراع حرب لصرف الانتباه عن فضيحة جنسية؟ لكن على النقيض من تلك الضربات؛ فقد احتُفل بالضربات التي أطلقها دونالد ترامب على قاعدة الشعيرات الجوية في سورية، في 6 نيسان/ أبريل، -وكانت، كمثيلتها المذكورة آنفًا، محدودة الحجم والطموح، من اليمين واليسار، بعدّه تحركًا مدروسًا دراسة جيدة من القائد الأعلى للجيش الذي بدأ يرسم خطاه. مثلما قالت هيلاري كلينتون، المنافِسة الديمقراطية التي خسرت أمام السيد ترامب، أنها كانت لتفعل بالمثل، أما فريد زكريا، الناقد الديمقراطي الخبير، فقد قال على قناة CNN: “الآن أصبح دونالد ترامب رئيسًا!”

تظهر ردات الفعل المتناقضة لتلك الضربات التي يفصل بينها عقدين من الزمن، إلى أي مدى يُحكم على السياسة الخارجية وفقًا للسياق السياسي المحلي أكثر من احتمالات نجاحها. كان هدف السيد كلينتون يتجلى في إيقاف دعم الحكّام الإسلاميين في كابول والخرطوم لأسامة بن لادن، وهدف السيد ترامب أن يتوقف بشار الأسد عن استخدام الغازات ضد مواطنيه السوريين، وقد شرح السيد ترامب ضرباته بلجوئه إلى نبرة غضب أخلاقي؛ إذ قال: ” حتى الأطفال الجميلون قتلوا بوحشية في هذا الهجوم الهمجي جدًا.”  وأضاف:” لا يجب أن يعاني أي من أطفال الرب مثل هذا الرعب أبدًا.” ولكن كان لغارة السيد ترامب أمرين اثنين سعت إليهما.

أولًا، لم يبدُ الخيار العسكري الذي فضله السيد كلينتون بذلك السوء؛ مقارنة بما تلاه؛ فبعد حروب جورج دبليو بوش الباهظ ثمنها، وفشل باراك أوباما في صون تحذير “الخط الأحمر” ضد استخدام بشار الأسد للأسلحة الكيماوية، أراد كثير من الأميركيين أن يؤذى الدكتاتور السوري، ولكنهم لم يريدوا الحرب.

أما ثانيًا، فمن الواضح -في الحقيقة- أن السيد ترامب يتبنى سياسية خارجية تقليدية، كما كان كلّ من بارك تلك الضربات، تقريبًا، متحمسًا لتشجيع ذلك الانحراف نحو الأرثودوكسية (التشدد)، ولا سيما عند النظر إلى ماضي الرئيس اللامبالي بمواقف أميركا الدولية، وعدم اكتراثه بالجيوبوليتيكا (Geopolitics). وللأسباب ذاتها، يعدّ كل أولئك عرضةً لخيبة الأمل.

نداء من هربرت رايموند “HR

من الممكن أن نعزو، أساسًا، الأرثودوكسية المتنامية إلى تأثير فريق السيد ترامب للأمن القومي اللافت للنظر؛ إذ ما زال هربرت رايموند ماكماستر يقوم بعملية تنظيف لمجلس الأمن القومي بعد رحيل سلفه الذي لم يمكث إلا القليل من الوقت في منصبه، مايكل فلين؛ فعُيّنت الخبيرة بالشؤون الروسية، فيونا هيل، أما نائبة السيد ماكماستر “ك.ت. ماكفارلاند”، المذيعة السابقة في محطة فوكس نيوز التي لا تمتلك إلا مؤهلات ضئيلة لدور مهم كهذا، فقد خُفض منصبها لتُدير منصبًا أقلّ تطلّبًا، وهو منصب سفيرة. يدعم جيمس ماتيس، وزير الدفاع، وريكس تيليرسون، وزير الخارجية، تلك التغييرات، وهما، كالسيد ماكماستر، مديران ذوا خبرة، ويتمتعان برؤىً أرثودوكسية، كما تظهر عليهما، بدرجات متفاوتة، هالة السلطة، على الرغم من حقيقة عدم تعيين أي من تابعيهما -تقريبًا- في المراكز التي يعتمد عليها قادة الإدارة.

وساعدت الوقائعُ التي مالت إلى إظهار عدم القدرة على الالتزام بمواقف السيد ترامب القديمة في السياسة الخارجية جهدَ أولئك الأشخاص. فبعد تصريحاته بأن ترك بشار الاسد في مكانه أفضل في خدمة مصالح أميركا، وللسبب ذاته، بعد تحذيره باراك أوباما عام 2013 بعدم إطلاق الهجمة الصاروخية التي يلومه -الآن- على إحجامه عن تنفيذها، وجد السيد ترامب أن المشاهد التلفزيونية لهجوم الديكتاتور السوري على خان شيخون، كانت أكثر بغضًا من أن يتم تجاهلها. وبعد رفضه انتقاد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الذي تحظى قيادته الاستبدادية بإعجاب السيد ترامب، ها هو الآن يحلل تقارير تنص على معرفة الروس بذلك الهجوم، وعن قيامهم بقصف المستشفى الذي أُرسل إليه الضحايا، محاولة منهم لمسح الدليل.

ستستمر تلك الضغوطات الآتية من قادة الإدارة الأقوياء؛ لإجراء مراجعات على السياسة الخارجية مما كان يعتقده السيد ترامب في الواقع؛ لذلك، من المحتمل التحول إلى الأرثودوكسية أن يستمر، ولكن مع تحذيرين على القدر نفسه من الأهمية.

أولًا، سوف تؤثر قابلية السيد ترامب على اتخاذ، ومن ثم التخلي السريع عن، مواقف جذرية؛ ليشبه بذلك الشخص الجالس في ناد رياضي، ينتقد تصرفات القائد الأعلى للقوات المسلحة في كل شيء، إلا في شيء واحد فحسب، هو أنّه هو فعلًا القائد الأعلى للقوات المسلحة، على السياسة الخارجية الأميركية، وهي الجزء غير الخاضع للقيود من بين المهمات الرئاسية،  ويميل إلى عكس شخصية صاحب المنصب (الرئيس)، أكثر من أي جزء آخر من مهمات صنع السياسة؛ ففي ظل حكم السيد كلينتون، كانت السياسة الخارجية حاذقة، ولكنها في بعض الأوقات كانت تكتيكية جدًا. أما في ظل السيد بوش، فقد كانت مبنية على نيات حسنة، ولكنها متعجرفة وطائشة؛ أما السياسة الخارجية للسيد أوباما، فقد كانت متسقة فكريًا، ولكنها افتقدت المرونة في بعض الأوقات. وتحاول السياسة الخارجية للسيد ترامب أن تحسّن من صورته، فعلى الرغم من القرار الحكيم لشن تلك الهجمة الصاروخية، من المذهل كيف استطاع، في غضون ساعات، قلب سياساته لحظيًا استنادًا إلى قوة تقرير إخباري.

لن يستطيع ضباط السيد ترامب الأقوياء أن يعوضوا تعويضًا تامًا نقاط الضعف الرئاسية تلك، كان ذلك واضحًا من خلال الرسائل المشوشة الصادرة من الإدارة عمّا تنبئ به تلك الضربات في سياسة السيد ترامب حيال سورية واستخدام القوة؛ فقد صرح السيد تيليرسون، في 10 نيسان/ أبريل: “سنكرس أنفسنا مجددًا لمحاسبة أي من يرتكب جرائم ضد الأبرياء في أي مكان من العالم”. وأيّد المتحدث باسم البيت الأبيض، شون سبايسر، ما سبق بقوله: “إن استهدفت الأطفال بالغازات، وإن ألقيت البراميل المتفجرة على الناس الأبرياء، أعتقد أنك سترى الجواب من هذا الرئيس.”

لا يبدو أن ما سبق يشبه كثيرًا “أميركا أولًا”، مبدأ المصلحة القومية الذي يعظ به السيد ترامب. من المؤكد أن السيد سبايسر الذي كان أداؤه خلال الأسبوع متوسطًا (لتأكيده على الشر المطلق لبشار الأسد، إذ قال: حتى هتلر “لم ينزلق إلى استخدام الأسلحة الكيماوية”، الادعاء الغريب الذي سحبه بعدئذ)، وأوضح قائلًا: “لم يتغير أي شيء في موقفنا، يحتفظ الرئيس بخيار التدخل في سورية ضد نظام الأسد عندما يصب ذلك في المصلحة القومية.”  أي: يحتفظ السيد ترامب -في اختصار- بالحق في فعل شيء ما، أو لا شيء.

أما التحذير الثاني المهم لقبول السيد ترامب الواقع، فيتعلق بموضوعين، تتسم رؤاه فيهما بالصرامة، وبكونهما خارج الإجماع الوطني الثنائي للحزبين: الجمهوري والديمقراطي، الإجماع الذي وضع محددات السياسة الخارجية، عمومًا، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. الموضوع الأول هو الهجرة، وخصوصًا هجرة المسلمين التي يحاول السيد ترامب كبحها، والموضوع الثاني، وهو أكثر أهمية ربّما، اتفاقيات أميركا التجارية التي يؤمن السيد ترامب أنها غير عادلة إلى حد كبير. وهنا أيضًا كانت هنالك تطمينات غير أكيدة؛ إذ منعت المحاكم تقييداته على الهجرة، كما بدا على اللقاء الذي جمع السيد ترامب بالرئيس الصيني، شي جين بينغ، في 6 و7 نيسان/ أبريل، أنه كان مدنيًا وهادئًا.

لكن يبقى من غير الحكيم أن نعتمد على تخلص السيد ترامب من آرائه السياسية الوحيدة التي حملها باستمرار عقودًا من الزمن. وفي نهاية الأمر، تُعدّ الموضوعات التي تبدو آراء الرئيس فيها صارمة أكثر أهمية من موضوعات أخرى كثيرة.

 

اسم المقالة الأصلي Donald Trump’s foreign policy looks more normal than promised
الكاتب*  
مكان النشر وتاريخه مجلة الإيكونومست، The Economist، 15 نيسان/ أبريل 2017
رابط المقالة http://www.economist.com

/news/united-states/21720625-two-big-caveats-donald-trumps-foreign-policy-looks-more-normal-promise

ترجمة أنس عيسى

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق