تحقيقات وتقارير سياسية

صفعة صغيرة للأسد تغير شروط المفاوضات

“موهوم من يظن أن دونالد ترامب يهمه مصير أطفال سورية”، عنوان مقال للمفكر اليساري، جيلبير أشقر، في “القدس العربي”، وربما يمكننا أن نوافقه على غايات ترامب الثلاثة من الضربة الأميركية لمطار الشعيرات، أما تسميته للمشاعر التي انتابت “كثيرًا من السوريين” بأنها وهم لأنها “ضربة محدودة جدًا ومحضّرة مسبقًا”، فهذا ما يمكن أن نختلف فيه.

على الرغم من أنها كانت صفعة صغيرة للنظام السوري فحسب، إلا أنها ستُغيّر كل شروط اللعبة، وحرّكت المياه الراكدة سياسيًا في الصعيد الدولي منذ جنيف 1 عام 2012، بما يخص المقتلة السورية. وتغير الخطاب على نحو كبير بعدها، وخاصة من أوروبا والدول السبع التي كانت تعيش انقسامًا داخليًا بينيًا بين خيارين فحسب، الأول لصالح مفاوضات بين المعارضة والنظام، “يمكن” أن تفضي إلى تأسيس سورية حرة ديمقراطية، لكن بسقف أدنى من سقف ثورة الحرية، أي سقف جنيف 1. هذا السقف الذي يُعدّ مرجعية كل القرارات الأممية التي صدرت بعده، وخاصة قرار مجلس الأمن رقم 2118 عام 2013، ويؤكد تأييده لبيان جنيف 1 و”إنشاء هيئة حكم انتقالية تُمارس السلطات التنفيذية كاملة، ويمكن أن تضم أعضاءً من الحكومة الحالية والمعارضة بالتوافق المتبادل”، وسقف آخر أو بالأحرى أرض أخرى، وهي مفاوضات تفضي إلى حكومة وطنية وإعادة تأهيل الأسد؛ للاستمرار في الحكم، وهو سقف منصة موسكو وحميميم اللتين تطالبان بأن تكونا في خندق المعارضة في أثناء المفاوضات، وبالتأكيد من “حقها” المشاركة في المفاوضات، ولكن من جهة النظام.

في اليوم الثاني عشر من كانون الأول/ ديسمبر 2015، تشكلت “الهيئة العليا للمفاوضات”؛ كي تُشارك في مفاوضات جنيف 3 التي تعتمد على بيان جنيف 1. وكانت خطوة جديدة على ساحة المعارضة السورية المشتتة والمنقسمة، فلأول مرة تتشكل هيئة سورية تضم تيارات معارضة مختلفة، بدءًا من اللون المعارض القريب من الرمادي إلى لون ثورة الحرية الصارخ. ذلك اللون الأخير الذي كان رافضًا تمامًا لبيان جنيف 1؛ لأنه لا يُمثّل مطامح الثورة المتمثلة بإسقاط النظام، ولكن هذه المرة رضي به بعد الثمن الباهظ الذي دفعه الشعب السوري من أجل حريته، وبعد اندلاع الحرب الإقليمية والدولية على حساب دم السوريين وثورتهم، ولا سيما أن القرارات الأممية كلها استندت إلى هذا البيان، وصدرت بعده فيما يخص المسألة السورية.

أصدرت الهيئة العليا للمفاوضات بيانها الشهير الذي سُمّي بيان الرياض. أكد على تمسك الهيئة الوليدة بـ “تطبيق بنود المرحلة الانتقالية الواردة في بيان جنيف 1″، و”قبولهم ودعمهم دور الأمم المتحدة”، وعبر المشاركون عن رغبتهم بـ “تنفيذ وقف لإطلاق النار”، وشددوا على “أن يُغادر بشار الأسد وأركان ورموز حكمه سدة الحكم مع بداية المرحلة الانتقالية”. هذه كانت أول مرة توافق قوى المعارضة والثورة معًا على بيان جنيف 1، ولكن بعد أن أرفقتها بالجملة الأخيرة.

إذن؛ بقي مصير الأسد في المرحلة الانتقالية، بحسب بيان جنيف 1، ضبابيًا، ويُفسّره كل طرف، سواء من المعارضة أم من النظام، على هواه، وجاءت القرارات الأممية على الشاكلة نفسها، إذ لم يُطرح فيها مصير الأسد بالاسم في المرحلة الانتقالية وعلاقته مع هيئة الحكم الانتقالية، ما سبب لغطًا كبيرًا في أوساط السوريين، وسوء تفاهم بين أطراف المعارضة نفسها، وتصيد رخيص صدر من بعض الإعلاميين، عند محاولة بعض المفاوضين تدوير الزوايا؛ كي لا يضطروا إلى طرح هذه القضية بوضوح قبل الأوان أمام المجتمع الدولي الذي لا يعترف إلا بقرارات مجلس الأمن والنصوص التي اعتمدتها الأمم المتحدة.

شاركت “الهيئة العليا للمفاوضات” -للمرة الأولى- في جلسة جنيف 3 التي جرت أواخر كانون الثاني/ يناير 2016، وبعد صدور قرار مجلس الأمن 2254 الذي عاد وأكد أن بيان جنيف 1 مرجعية لعملية التفاوض، ويؤكد “ضرورة اتخاذ جميع الأطراف في سورية تدابير لبناء الثقة؛ من أجل المساهمة في فرص القيام بعملية سياسية وتحقيق وقف دائم لإطلاق النار”، وكان أولها وصول المساعدات الإنسانية إلى كل من يحتاج إليها، ولاسيما المناطق المحاصرة و”الإفراج عن أي محتجز تعسفًا”، لكن الهيئة أعلنت انسحابها من المفاوضات نتيجة خرق النظام تدابير بناء الثقة المنصوص عليها في قرار مجلس الأمن.

في جنيف 4، حرص الوفد المفاوض (الهيئة العليا للمفاوضات)، على أن يُشارك رغم كل شيء، وأن لا يتأثر باستفزازات النظام، وقد تشكل انطباع إيجابي حول مساعي الأمم المتحدة وجديتها -هذه المرة- بوضع حد “للحرب العالمية الثالثة” على حساب دماء السوريين وثورتهم، وفي ما يبدو فقد استشعرت أوروبا -أخيرًا- الخطر عليها، الناجم من استمرار الحرب، وكان الجو العام يوحي بأن الأمور تجري لصالح وفد المعارضة، وفي الحقيقة فقد أجاد الوفد التكتيك وتدوير الزوايا لاستثمار ذلك المناخ، والإصرار على البقاء على طاولة المفاوضات، والبرهان أمام الجميع على أنه لا يوجد لديهم شريك جاد في هذه العملية التفاوضية المنصوص عليها بالقرارات الأممية، ولم تكن هذه حال فريق النظام بقيادة الجعفري الذي بدا متوترًا دائمًا، وقد خرج من مقر الأمم المتحدة -مرة- من دون أن يعلم أحد بمغادرته، متجاهلًا أن الوقت كان موعد المؤتمر الصحافي المقرر مسبقًا معه، ما أدى إلى تسريب خبر مغلوط للإعلام بأن النظام قد انسحب من المفاوضات، وقد سارعت وسائل إعلامه لنفي ذلك.

تريد أوروبا المتضررة من الحرب إيقافها، ولكنها ضعيفة ومنقسمة في موقفها حول الطريقة، وكانت بحاجة إلى الدعم الأميركي؛ لمواجهة التعنت الروسي- الإيراني، لتُعلن موقفها بوضوح في وجه الأسد، وهذا ما حصل بعد الضربة مباشرة. والآن، وبعد استعمال النظام للسلاح الكيماوي والضربة الأميركية المحدودة لمطار الشعيرات، تغيّرت كل أسس التفاوض التي قامت عليها العملية السياسية منذ عام 2012، ولم يعد مقبولًا -قط- أن تظل ضبابية مسألة وجود الأسد عند تشكيل هيئة الحكم الانتقالي. وهذا ما عبّر عنه وزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، بعد محادثته مع بوتين ولافروف في موسكو؛ إذ قال: “وجهة نظرنا بوضوح أن عهد أسرة الأسد يشارف على نهايته”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق