قضايا المجتمع

تجار الحصار يفاقمون معاناة محاصَري الغوطة الشرقية

يفاقم تصعيد قوات النظام الحرب، المصحوبة بتشديد الحصار، معاناة سكان الغوطة الشرقية في ريف دمشق، فقد صعّدت قوات النظام في الآونة الأخيرة قصفها وضيقت الخناق على مدن وبلدات الغوطة، في محاولة منها لزيادة الشرخ بين الفصائل العسكرية والمؤسسات والفاعليات المدنية، من جهة، والقاعدة الاجتماعية، من جهةٍ ثانية، وبما يقود إلى تمرير مخططاته بالتهجير القسري، وفق ما يؤكده كثير من ناشطي المنطقة.

تؤكد مصادر ميدانية من الغوطة أن أسعار السلع، سجلت -أخيرًا- ارتفاعًا يراوح بين خمسة إلى ثمانية أضعاف؛ بسبب قلة المواد داخل الغوطة؛ ولتحكم تجار الأزمات بهذا المعروض. إذ يعمدون، مع كل موجة من موجات الحصار الخانق، إلى شراء المعروض السلعي من الأسواق واحتكاره، لبيعه بعد مدة وجيزة بأسعار مضاعفة عدة مرات عن سعره العادي.

في هذا السياق، قال الناشط عبد الملك عبود لـ (جيرون): “ارتفعت الأسعار في الغوطة الشرقية بنسبة تزيد على خمسة أضعاف عن الأسعار في العاصمة دمشق، وذلك بسبب المعارك الأخيرة التي اندلعت في أحياء دمشق الشرقية، وإغلاق المعبر الوحيد المخصّص لدخول بعض المواد الغذائية والتموينية التي تدخل بعد تفاهمات بين التجار وعناصر حواجز النظام”.

وأضاف أن “من أهم أسباب ارتفاع الأسعار بهذا الارتفاع الجنوني، هو احتكار التجار للسلع، فهم يستغلون الناس في لقمة عيشهم وقوت أطفالهم؛ فمع بدء المعارك في الأحياء الشرقية للعاصمة، ورافقها تصعيد على الغوطة، عمد كثير من التجار إلى شراء المواد والسلع من الأسواق، ومن ثم؛ عرضها للبيع بأسعار مضاعفة، مستغلين موجة الحصار وإغلاق المعبر؛ ما مكّنهم من التحكم بالأسعار”.

وأوضح الناشط عامر الشامي، في حديثه لـ (جيرون) “أن هناك منفذين لدخول المواد إلى الغوطة الشرقية، معبر أو حاجز مخيم الوافدين، وهناك الأنفاق مع الأحياء الشرقية لدمشق، والأخيرة تستخدم للكماليات، وبشكل أكبر للفصائل العسكرية، كونها الطرف المسيطر والمتحكّم بحركة دخول وخروج الأشخاص والبضائع من خلال هذه الأنفاق. تعتمد الغوطة أساسًا على معبر الوافدين، وهو في عهدة تاجر معروف من جميع أهالي الغوطة، إذ يدخل ويخرج من وإلى الغوطة من دون أي مشكلة، ويدخل كميات كبيرة من المواد”.

لفت الشامي إلى أن “جميع أهالي الغوطة يعلمون أن النظام بصدد تضييق الخناق عليهم، وأنه سيمنع إدخال المواد الغذائية، ولذلك عمد التاجر الذي يتعهد معبر الوافدين، إلى (سحب) جميع المواد وتخزينها، ومن ثم؛ أدخل كميات كبيرة من المواد التموينية، بالاتفاق مع عناصر حاجز النظام، وخزّنها في مستودعاته، ومع نفاد المواد من الأسواق، عرض مخزونه بأسعار وصلت في بعض المواد إلى ثمانية أضعاف سعرها السابق”.

وأوضح أن “الأنفاق لا يمكن أن تشكل حلاً بديلًا، خاصةً الآن، بفعل التصعيد العسكري على الأحياء الشرقية، ففي الأحوال العادية نادرًا ما يعتمد المدنيون على الأنفاق؛ لأن هناك ضرائب على المواد الداخلة أو الخارجة منها، تتراوح نسبتها بين 5 و30 في المئة بحسب طبيعة البضائع”.

كثيرًا ما أثارت ظاهرة تجار الأزمات أو الحروب تساؤلًا عن مدى ارتباط شخوصها بالفصائل العسكرية على الأرض، وكيف أنهم يتحكمون بالأسعار والأسواق دون أن تحرك تلك الفصائل ساكنًا. هنا قال عبود “لا أعتقد بأن لهؤلاء أي ارتباط مباشر بالفصائل والمؤسسات الثورية، ومع ذلك لا يمكن أن نعفي الفصائل من مسؤوليتها تجاه هذه الموضوع، لأنها -إلى اليوم- لم يستطع إيجاد آلية لضبط الأسعار، ومنع استغلال التجار لعامة الناس في مثل هذه الأوضاع، وهناك معلومات عن توجه لتشكيل لجنة طوارئ، تضم عددًا من الفعاليات والمؤسسات الأهلية والمدنية، ومندوبين عن الفصائل والشرطة والقضاء الموحد؛ للخروج بحل جماعي يخفف من هذه المأساة، ويجبر التجار على تخفيض الأسعار”.

ويستبعد الشامي وجود “علاقة مباشرة بين قيادات الفصائل العسكرية والتجار، ولكن قد تكون هناك علاقة بين بعض الأشخاص المحسوبين على الفصائل والتجار؛ ما يمنحهم قوة إضافية لفرض ما يريدون، أما أن يقال بأن هناك سياسة لدى الفصائل بالشراكة مع التجار واستغلال معاناة الناس؛ فهذا توصيف مبالغ فيه وغير واقعي، لكن السؤال: لماذا لا تتدخل الفصائل لوضع حد لهذه الظاهرة؟ أظن أن أسباب ذلك كثيرة أهمها عدم وجود بديل، وعجز القضاء وجهاز الشرطة الذي لا يجد في كثير من الأحيان، وقودًا لتشغيل سيارة تمكنه من القبض على مطلوب، فكيف بقضية معقدة إلى هذا الحد”.

أما عن الحلول الممكنة لمثل هذه الأزمة، فيكاد يجمع ناشطو الغوطة الشرقية على أنها قليلة، وقد تبدو معدومة، ولا سيما أنه لم يُتخذ أي تدبير قبل اشتداد وطأة الحصار، في هذا الجانب قال الشامي: “من الصعوبة بمكان البحث عن حلول الآن في ظل الحصار الخانق، خلال اجتماع سابق مع المؤسسات داخل الغوطة عرضنا أن يُعمل لتجهيز مستودعات استراتيجية للمواد الأساسية، مستفيدين من الحصار الجزئي، والسماح بدخول كميات من المواد الغذائية عبر معبر الوافدين، وطرحها في الأسواق في حال اشتد الحصار وبأسعار معقولة، وفق حاجة كل قطاع من قطاعات الغوطة وعدد السكان فيه، حينذاك الجميع شجّع وأبدى موافقته للدعم والتعاون، إلا أن شيئًا من ذلك لم يحصل وها نحن وصلنا إلى ما وصلنا إليه الآن”.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق