كلمة جيرون

“الشعبوية” في زمن الموت

“الشعبوية” ظاهرة تنتشر في كل مكان في سورية، بين مؤيدي المعارضة ومؤيدي النظام، تؤثر في الرأي العام، وتتحكم بتصرفات كثير من أقل الشرائح إدراكًا، وأقلها معرفة، وأقلها حكمة.

“الشعبوية” بالتعريف الفكري والسياسي، ليست -بالضرورة- شتيمة، فهي توصيف لواقع حال، وهي كلمة إشكالية تحمل أكثر من معنى؛ إذ تُعدّ مقبولة حين يلجأ طرف سياسي إلى خطاب مُبسّط خفيف يتلاءم مع إدراك الشرائح البسيطة التي يسعى لإقناعها، وهي شريرة حين يعتمد طرف سياسي على طوفان الأفكار السطحية لمعالجة قضايا حساسة، أو لتجييش شرائح دونيّة ضد خصومه.

متمثلين بالنظام ومتشبهين به، صار كثير من المعارضين يعتمدون على “الشعبوية”، بما تحمله من معاني سلبية؛ لتحقيق أهدافهم، من خلال استخدام وسائل رخيصة لحرف الرأي العام، وكاستراتيجية للتلاعب بالعقول؛ لغايات سياسية أو اجتماعية، وآلية لتعميم الكراهية، وتشويه السمعة، وتحوير الحقائق، وتسطيح الفكر، وتهميش العقل، وتحويل المواقف العقلانية إلى مواقف مبتذلة، وأحيانًا تقريب تصرفات البشر الأصحاء إلى تصرفات بشر خطأة.

لقد بات كثيرون “يُناكفون” و”يُماحكون” في أي شيء، ويرفضون قبل أن يفهموا ما يُقال، يسعون إلى التربع على عرش المعرفة؛ حتى إن كانوا في أدنى سلالمها، ويستسهلون ويبرعون في تشويه الصورة، ويتنافسون على الألقاب والمناصب والمنافع، ولا يقبلون التنازل، ولا يعرفون الاعتذار، ويعتقدون أنهم الأهم والأكثر صوابًا وعقلانية.

كلما برز العقل أطلت “الشعبوية” من جحورها لتردعه، وكلما تحوّل التفكير إلى فعل، ظهرت الشعبوية لإفشاله وتخريبه، مستخدمة -في ذلك- وسائل إعلام وليدة، برّية ضارية، أو مواقع التواصل الاجتماعي التي باتت “مرتعًا” لمثل هذا النوع من التحريض.

يحفل تاريخ النظام السوري بـ “الشعبوية”، وهذا ليس غريبًا على نظام قمعي شمولي أمني إجرامي، سعى لتهميش العقل، وركّز على التجهيل، وحارب العلم والمنطق، واعتمد على سياسة -في أولويتها- تحويل الشعب إلى “قطيع”، وبات مؤيدو النظام مثالًا حيًّا عن الشريحة “الشعبوية”.

المؤسف أن المعارضة جارت النظام، فصار همّها تغذية “الشعبوية” في صفوف المناوئين له، بدلًا من أن تُقدّم لهم الصورة الأنقى والأفضل، وصار تغييب العقل لدى بعضهم سمة، والتحريض على الآخر المنافس غاية.

الأولى بالمعارضين السوريين، مستقلين وملتزمين، مسيّسين وحزبيين، متعصبين لهذا الطرف أو ذاك، متشددين لفكرة جامدة عبثية أو هواة للإشاعات، أن يلتفتوا إلى نقد النظام، وفضح ممارساته وإجرامه وشراسته، وأن يُفكّروا في نقد المعارضة السورية بالمنطق والعقل، وأن يدحضوا الحجّة بالحجة، لا بالغرائز والعبث، وأن يبحثوا عن الحقيقة، أينما كانت، حقيقة كل شخص أو قوّة أو تيار أو كيان، ويقيّموها ويُقوّموها، إن كان ذلك ممكنًا، وأن يتوقفوا عن “الشعبوية” العبثية الـ لا وجدانية، في زمن الموت السوري؛ حتى يكون هناك فرق جوهري بينهم وبين النظام الذي من المفترض أنهم يريدون إسقاطه.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق